(وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (٥٣)
هذه الآية إشارة إلى أنّ حرمان الكفّار ومصيرهم المشؤوم إنّما هو نتيجة تقصيراتهم أنفسهم وإلّا فليس هناك من جانب الله أي تقصير في هدايتهم وقيادتهم وإبلاغ الآيات إليهم وبيان الدروس التربوية لهم لهذا يقول تعالى : إنّنا لم نألُ جهداً ولم ندخر شيئاً في مجال الهداية والإرشاد ، بل أرسلنا لهم كتاباً شرحنا فيه كل شيء بحكمة ودراية : (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنهُ عَلَى عِلْمٍ).
وهو كتاب فيه رحمة وهداية ، لا للمعاندين الأنانيين ، بل للمؤمنين : (هُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
الآية اللاحقة تشير إلى الطريقة الخاطئة في تفكير العصاة والمنحرفين في صعيد الهداية الإلهية فيقول : (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ). أي كأنّ هؤلاء يتوقعون أن يروا نتيجة الوعد والوعيد الإلهي بعيونهم (أي يروا أهل الجنّة وهم فيها ، وأهل النار وهم فيها) حتى يؤمنوا.
ولكنّه توقّع سخيف ، لأنّه عندما تُترجم الوعود الإلهية على صعيد الواقع ينتهي الامر ، ولم يعد هناك مجال للرجوع ولا طريق للعودة ، وهناك سيعترفون بأنّهم قد تناسوا كتاب الله وتجاهلوا التعاليم الإلهية التي أنزلها على رسله بالحق ، وكان قولهم حقّاً أيضاً : (يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبّنَا بِالْحَقّ).
سيغرقون في هذا الوقت في قلق واضطراب ، ويفكرون في مخلّص ينقذهم من هذه المشكلة ويقولون : (فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا).
وإذا لم يكن هناك شفعاء لنا ، أو إنّنا لا نصلح أساساً للشفاعة ، أفلا يمكن أن نرجع إلى الدنيا ونقوم بأعمال غير ما عملناه سابقاً ، ونسلّم للحق والحقيقة (أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ).
ولكن هذا التنبيه جاء متأخراً جداً ، فلا طريق للعودة ولا صلاحية لهم للشفاعة لأنّهم
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
