ولقد كان البحث في الآيات السابقة حول المكذبين لآيات الله ، والمستكبرين والظالمين ، وهنا يشرح ويبين المستقبل المشرق للمؤمنين إذ يقول : (وَالَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ... أُولئِكَ أصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
وقد أتى بين المبتدأ والخبر بجملة معترضة توضّح الكثير من الإبهامات إذ يقول : (لَا نُكَلّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا). وهذه الجملة تؤكّد بأنّه لا ينبغي لأحد أن يتصور بأنّ الإيمان بالله ، والإتيان بالعمل الصالح وسلوك سبيل المؤمنين ، أمر متعسر غير مقدور إلّالأفراد معدودين ، لأنّ التكاليف الإلهية في حدود الطاقة البشرية وليست أكثر منها.
إنّ هذه الآية ـ مثل سائر الآيات القرآنية ـ تحصر وسيلة النجاة والسعادة الأبدية في الإيمان والعمل الصالح ، وهكذا تفنّد العقيدة النصرانية المحرفة الذين يعتبرون صلب المسيح في مقابل ذنوب البشر وسيلة للنجاة ، ويقولون : إنّه قربان لخطايا الإنسانية.
إنّ إصرار القرآن الكريم على مسألة الإيمان والعمل الصالح ، في الآيات المختلفة لتفنيد هذه المقولة وأمثالها.
وفي الآية اللاحقة أشار تعالى إلى واحدة من أهم النعم التي أعطاها الله سبحانه لأهل الجنة ، والتي تكون سبباً لطمأنينتهم النفسية وسكنتهم الروحية ، إذ قال : (وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ).
«الغِل» : في الأصل بمعنى نفوذ الشيء خفيّة وسرّاً ، ولهذا يقال للحسد والحقد والعداوة ، الذي يتسلّل إلى النفس الإنسانية بصورة خفية (الغل).
وإنّ من أكبر عوامل الشقاء التي يعاني منها الناس في هذه الحياة ، ومصدر الكثير من الصراعات الاجتماعية الواسعة التي تؤدّي ـ مضافاً إلى الخسائر الفادحة في المال والنفس ـ إلى زعزعة الاستقرار الروحي ، هو الحسد والحقد.
إنّ أهل الجنة معافون من هذه الشقاوات والمحن بالكلية ، لأنّهم لا يتصفون بهذه الصفات القبيحة ، إنّهم يعيشون معاً في منتهى التواد والتحابب والصفاء والسكينة ، ولهذا راضون عن وضعهم الذي هم فيه.
وبعد ذكر هذه النعمة الروحانية ، يشير القرآن الكريم إلى نعمهم المادية الجسدية ، فيقول : (تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ).
ثم يعكس رضى أهل الجنة الكامل الشامل الذي يعبرون عنه بالحمد والشكر لله وحده
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
