وبدون إستثناء؟!
الجواب على هذا السؤال واضح ، لأنّ السؤال لو كان للاستعلام والاستفهام ، وبهدف الوقوف على الحقيقة لم يصح أن يقع من العالِم العارف. وأمّا إذا كان المقصود منه هو إلفات الشخص إلى ما عمله ، أو إتمام الحجة عليه ، أو ما أشبه ذلك ، لم يكن في ذلك بأس ولا ضير ، إذ يشبه ذلك تماماً ما لو أسدينا إلى أحد خدمات كثيرة وقابَلَنا بالإساءة والخيانة ، وكان كل ذلك معلوماً معروفاً عندنا ، ومع ذلك فإنّنا نسائله ونقول : ألسنا قد أسدينا إليك كذا وكذا من الخدمة؟ فهل كان هذا جزاء الإحسان إليك؟
إنّ مثل هذه المساءلة ليست لاكتساب العلم ، واكتشاف الحقيقة المجهولة ، بل هي لتفهيم الطرف الآخر وإيقافه على الحقيقة.
في الآية اللاحقة ـ تكميلاً لمبحث المعاد ـ يشير تعالى إلى قضية «وزن الأعمال» الذي جاء ذكره في السور القرآنية الاخرى مثل ما جاء في سورة «المؤمنون» في الآية (١٠٢ و ١٠٣) وسورة «القارعة» الآية (٦ و ٨).
فيقول أوّلاً : إنّ وزن الأعمال يوم القيامة أمر واقع لا ريب فيه : (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ). إذن ، فالمسلم هو أنّ أعمال الإنسان توزن في يوم القيامة بأداة خاصة لا بواسطة موازين مثل موازين الدنيا ، ويمكن أن تكون تلك الأداة نفس وجود الأنبياء والأئمة والصالحين ، وهذا ما يستفاد ـ أيضاً ـ من الأحاديث المروية عن أهل البيت عليهمالسلام.
بل إنّ أولياء الله في هذا العالم هم أيضاً مقاييس للوزن والتقييم ، ولكن حيث إنّ أكثر الحقائق في هذا العالم تبقى خلف حجب الإبهام والغموض ، تبرز في يوم القيامة بمقتضى قوله تعالى : (وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (١). وتنكشف هذه الحقائق وتنجلي للعيان.
ثمّ إنّه تعالى يقول في المقطع الآخر من الآية : (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَن خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بَايَاتِنَا يَظْلِمُونَ).
إنّ من البديهي أنّ المراد من الخفّة والثقل في الموازين ليس هو خفة وثقل نفس الميزان ، بل قيمة ووزن الأشياء التي توزن بواسطة تلك الموازين ، وتُقاس بتلك المقاييس.
إنّ جملة «كانوا بآياتنا يظلمون» إشارة إلى أنّ مثل هؤلاء لم يظلموا أنفسهم فحسب ، بل
__________________
(١) سورة إبراهيم / ٤٨.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
