(قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ) في جهة سماء الروح في مقام الجمع عند الاستغراق في الوحدة والاحتجاب بالحق عن الخلق يؤدك وزر النبوّة ومقام الدعوة ، لعدم التفاتك إلى الكثرة ، ويعسر عليك الرجوع إلى الحق في أوّل حال البقاء بعد الفناء قبل التمكن لقوة توجهك إلى الحق (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها) فلنجعلنّ وجهك يلي قبلة القلب بانشراح الصدر ، كما قال تعالى : (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)) (١) فإنها قبلة ترضاها لوجود الجمع هناك في صورة التفصيل وعدم احتجاب الوحدة بالكثرة ، فترضى تلك القبلة بدعوة الخلق إلى الحق مع بقاء شهود الوحدة (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) جانب الصدر المشروح المحرّم من وصول صفات النفس ، ودواعي الهوى والشيطان (وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ) أيها المؤمنون والمحققون ، سواء كنتم في جهة مشرق الروح ومغرب النفس (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) جانبه ليتيسر عليكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأولى ، أي : الجهة الشرقية. والترقي عن حالكم ومقامكم ، والتوقي عن احتجابكم بدواعي الهوى والشيطان في الثانية. (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) أي : التوراة والإنجيل وكتاب العقل الفرقاني ، أي : العقل المستفاد (لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) لاهتدائهم بما في الكتاب من توحيد الأفعال ، والصفات ، والدلالة على التوحيد المحمديّ الذاتيّ إليه ، أو بنور العقل المنوّر بالنور الشرعيّ لا المحجوب بالقياس الفكريّ.
[١٤٥] (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥))
(وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ) دالة على صحة نبوّتك وحقية قبلتك ولو من كتابهم ، أو ما كانت عقلية قطعية (ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) لاحتجابهم بدينهم ومعقولهم وتقيدهم به (وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) لعلوك عن رتبة دينهم وترقيك عن مقامهم (وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) لاحتجاب كلّ بدينه وتضادّ وجههم الناشئ من التضادّ المركوز في طباعهم (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ) المتفرّقة (مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ) علم التوحيد الجامع إيّاك (إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ) الناقصين حقك وحقّ مقامك.
[١٤٦ ـ ١٥٠] (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠))
__________________
(١) سورة الشرح ، الآيات : ١ ـ ٣.
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
