عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠) وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢))
(وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى) أي : قالت اليهود : لن يدخل الجنة المعهودة عندهم ، أي : جنة الظاهر وعالم الملك التي هي جنة الأفعال وجنة النفس إلا من كان هودا. وقالت النصارى : لن يدخل الجنة المعهودة عندهم ، أي : جنة الباطن وعالم الملكوت التي هي جنة الصفات ، وجنة القلب إلا من كان نصرانيا. ولهذا قال عيسى عليهالسلام في دعوتهم إلى جنّتهم : «لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرّتين» ، وكانت دعوته إلى السماء أي : السماء الروحانية (تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ) أي : غاية مطالبهم التي وقفوا على حدّها واحتجبوا بها عما فوقها (قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ) أي : دليلكم الدال على نفي دخول غيركم جنّتكم (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في دعواكم ، بل الدليل دلّ على نقيض مدعاكم.
فإنّ (مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ) أي : ذاته الموجودة مع جميع لوازمها وعوارضها (لِلَّهِ) بالتوحيد الذاتيّ عند المحو الكليّ والفناء في ذات الله (وَهُوَ مُحْسِنٌ) أي : مستقيم في أحواله بالبقاء بعد الفناء ، مشاهد ربّه في أعماله ، راجع من الشهود الذاتيّ إلى مقام الإحسان الصفاتيّ الذي هو المشاهدة بالوجود الحقانيّ لمكان الاستقامة والعبادة ، لا بالوجود النفساني (فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) أي : ما ذكرتم من الجنة وأصفى وألذّ لاختصاصها بمقام العندية أي المشاهدة التي احتجبتهم عنها (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي : وزيادة على ما لكم من الجنة وهو عدم خوفهم من احتجاب الذات وبقاء النفس اللازم لوجود بقيتهم وعدم حزنهم على ما فاتهم بسبب الوقوف بحجاب جنّة الأفعال والصفات والتلذّذ بها والاستراحة فيها والاستدامة إليها من شهود جمال الذات. فإنهم وإن تركوها بالشوق إلى تجلّي الذات فإنها حاصلة لهم وأدنى مقامهم تحت جنة الذات.
[١١٣] (وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣))
(وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ) لاحتجابهم بدينهم عن دينهم ، وكذا قالت النصارى لاحتجابهم بالباطن عن الظاهر كما احتجب اليهود بالظاهر عن الباطن على ما هو حال أهل المذاهب اليوم في الإسلام.
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
