موسى إليكم لكي تشكروا نعمة عفوي بتصوّر تلك النعمة عن المنعم فتستعدّوا لقبول تجلّي صفة المنعم. وعلى التأويل الثاني : واعدنا موسى القلب عند تعلقه بالبدن واحتجابه عن قومه القوى الروحانية الأربعين التي خلقت فيها بنية بدنه ثم تعبّدتم عجل النفس الحيوانية الطفل من بعد غيبته واحتجابه في حال الصبا (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) التعبد بالبلوغ الحقيقيّ ، وظهور نور القلب بتجرّدكم لكي تشكروا نعمة توفيقي إياكم لذلك التجرّد وتهيئتي لأسباب كمالكم بسلوك سبيل صفاتي.
[٥٣ ـ ٥٤] (وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤))
(وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى) القلب كتاب المعقولات والحكم والمعارف والتمييز الفارق بين الحق والباطل ، لكي تهتدوا بنور هداه. وعلى الوجه الأول غنيّ عن التأويل. (ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ) نقصتم حقوقها وحظوظها من الثواب والتجليات المذكورة (فَتُوبُوا) إلى خالقكم برفع الحجاب الأول لدلالة ذكر البارئ عليه (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) بسيف الرياضة ومنعها عن حظوظها وأفعالها الخاصة بها على سبيل الاستقلال وقمع هواها التي هي روحها التي تحيا هي بها ، وعلى الثاني ألهم القلب قواه أنكم نقصتم حقوقكم بتعبد النفس فارجعوا إلى بارئكم بنور هداه فامنعوا أنفسكم بالرياضة عما ضريتم فاقتلوها عن حياتها العارضة لها بغلبة الهوى لتحيوا بحياتكم الأصلية فتقبل توبتكم.
[٥٥ ـ ٥٧] (وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧))
(وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ) لأجل هدايتك الإيمان الحقيقي حتى تصل إلى مقام المشاهدة والعيان (فَأَخَذَتْكُمُ) صاعقة الموت الذي هو الفناء في التجلي الذاتي (وَأَنْتُمْ) تراقبون أو تشاهدون. (ثُمَّ بَعَثْناكُمْ) بالحياة الحقيقية والبقاء بعد الفناء لكي تشكروا نعمة التوحيد والوصول بالسلوك في الله (وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ) غمام تجلي الصفات لكونها حجب شمس الذات المحرقة بالكلية ، (وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ) من الأحوال والمقامات الذوقية الجامعة بين الحلاوة وإسهال رذائل أخلاق النفس كالتوكل والرضا ، وسلوى الحكم ، والمعارف والعلوم الحقيقية التي تحشرها عليكم رياح الرحمة ، والنفحات الإلهية في تيه الصفات عند سلوككم فيها. (كُلُوا) أي : تناولوا وتلقوا هذه الطيبات (وَما ظَلَمُونا) ما نقصوا حقوقنا وصفاتنا باحتجابهم
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
