الله ، وباعتبار القابل يكون من عند أنفسهم. واستعداد الأنفس إما أصليّ وإما عارضيّ ، والأصلي من فيضه الأقدس على مقتضى مشيئته ، والعارضي من اقتضاء قدره. فهذا الجانب أيضا ينتهى إليه ، ومن وجه آخر ما يكون من أنفسهم أيضا يكون من الله نظرا إلى التوحيد ، إذ لا غير ثمة (وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا) أي : وليتميز المؤمنون والمنافقون في العلم التفصيليّ.
[١٦٩] (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩))
(وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) سواء كان قتلهم بالجهاد الأصغر ، وبذل النفس طلبا لرضا الله ، أو بالجهاد الأكبر ، وكسر النفس ، وقمع الهوى بالرياضة (أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) بالحياة الحقيقية مجرّدين عن دنس الطبائع ، مقرّبين في حضرة القدس (يُرْزَقُونَ) من الأرزاق المعنوية ، أي المعارف والحقائق واستشراق الأنوار ، ويرزقون في الجنّة الصورية كما يرزق سائر الأحياء. فإنّ للجنان مراتب بعضها معنوية وبعضها صورية ، ولكل من المعنوية والصورية درجات على حسب الأعمال ، فالمعنوية جنّة الذات وجنة الصفات وتفاضل درجاتها على حسب تفاضل درجات أهل الجبروت والملكوت ، والصورية جنّة الأفعال وتفاوت درجاتها على حسب تفاوت درجات عالم الملك من السموات العلى ، وجنات الدنيا وعن النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «لما أصيب إخوانكم بأحد ، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ، تدور في أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب ، معلقة في ظلّ العرش». فالطير الخضر : إشارة إلى الأجرام السماوية ، والقناديل هي الكواكب ، أي تعلقت بالنيرات من الأجرام السماوية لنزاهتها ، وأنهار الجنة منابع العلوم ومشارعها ، وثمارها الأحوال والمعارف والأنهار ، والثمار الصورية على حسب جنتهم المعنوية أو الصورية. فإنّ كل ما وجد في الدنيا من المطاعم والمشارب والمناكح والملابس وسائر الملاذ والمشتهيات ، موجود في الآخرة وفي طبقات السماء ألذّ وأصفى مما في الدنيا.
[١٧٠ ـ ١٧١] (فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١))
(فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) من الكرامة والنعمة والقرب عند الله (وَيَسْتَبْشِرُونَ) حال إخوانهم (بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ) ولم ينالوا درجاتهم بعد من خلفهم لاستسعادهم عن قريب بمثل حالهم ولحوقهم بهم (أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) بدل اشتمال من الذين ، أي : يستبشرون بأنهم آمنوا ، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ)
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
