توحيد الأفعال (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا) في آثارها فتعلموا كيف كان عاقبتهم (هذا) الذي ذكر (بَيانٌ لِلنَّاسِ) من علم توحيد الأفعال وتفصيل المتقين الذين هم أهل التمكين في ذلك ، والتائبين الذين هم أهل التلوين ، والمصرين المحجوبين عنه المكذبين به ، وزيادة هدى وكشف عيان وتثبت واتعاظ للذين اتّقوا رؤية أفعالهم أو هدى لهم إلى توحيد الصفات والذات. (وَلا تَهِنُوا) في الجهاد عند استيلاء الكفار (وَلا تَحْزَنُوا) على ما فاتكم من الفتح وما جرح واستشهد من إخوانكم (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) في الرتبة لقربكم من الله وعلو درجتكم بكونكم أهل الله (إِنْ كُنْتُمْ) موحدين ، لأنّ الموحد يرى ما يجرى عليه من البلاء من الله فأقلّ درجاته الصبر إن لم يكن رضا يتقوّى به فلا يحزن ولا يهن (الْأَيَّامُ) الوقائع وكل ما يحدث من الأمور العظيمة يسمى يوما وأياما ، كما قال تعالى : (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ) (١) ، وقد مرّ تفسير (وَلِيَعْلَمَ اللهُ) من ظهور العلم التفصيلي التابع لوقوع المعلوم.
(وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ) الذين يشهدون للحق فيذهلون عن أنفسهم ، أي : نداول الوقائع بين الناس لأمور شتى وحكم كثيرة ، غير مذكورة ، من خروج ما في استعدادهم إلى الفعل من الصبر والجلد وقوّة اليقين ، وقلّة المبالاة بالنفس ، واستيلاء القلب عليها ، وقمعها وغير ذلك. ولهذين العلتين المذكورتين ولتخليص المؤمنين من الذنوب والغواشي التي تبعدهم من الله بالعقوبة والبليّة إذا كانت عليهم ، ومحق الكافرين وقهرهم وتدميرهم إذا كانت لهم. وقد اعترض بين العلل قوله : (وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) ليعلم أنّ من ليس على صفة الإيمان والشهادة وتمحيص الذنوب وقوّة الثبات لكمال اليقين ، بل حضر القتال لطلب الغنيمة أو لغرض آخر فهو ظالم والله لا يحبه.
[١٤٣] (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣))
(وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ) الآية ، كل موقن إذا لم يكن يقينه ملكة بل كان خطرات ، فهو في بعض أحواله يتمنى أمورا ويدعي أحوالا بحسب نفسه دائما ، وكذلك حال غير اليقين وعند إقبال القلب هو صادق ما دام موصوفا بحاله. أما في غير تلك الحالة ، وعند الإدبار ، فلا يبقى من ذلك أثر وكذا كل من لم يشاهد حالا ولم يمارسه ، ربما يتمناه لتصوّره في نفسه وعدم تضرّره به حال التصور. أما في حال وقوعه وابتلائه فلا يطيق تحمل شدائده كما حكي عن سمنون المحبّ رحمه لله لما قال في أبياته :
فكيفما شئت فاختبرني
فابتلي بالأسر ، فلم يطق ، فكان يتردّد في الطرق ويرضخ إلى الصبيان ما يلعبون به
__________________
(١) سورة إبراهيم ، الآية : ١٤.
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
