على التفصيل بعد الحكم الإجمالي بحلها ، فإن العقل يحكم بحرمة ما يضرّ أو يهلك.
(مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ) أي : من قبل نزول الحكم الشرعي بالتوراة وسائر الكتب الإلهية وذلك أن الناس اختلفوا بعد ما كانوا أمّة واحدة على دين الحق ، كما ذكر ، فبعث الله النبيين لهدايتهم وإصلاح أحوال معاشهم ومعادهم ، وردّهم إلى الحق والاتفاق ، فما اقتضت الحكمة الإلهية بحسب أحوالهم المختلفة وطباع قلوبهم المخرّفة ونفوسهم المريضة ، حرمته من المألوفات والأشياء الصارفة عن الحق الحاجبة بينهم وبين الله ، والمهيجة للهوى والشهوات وسائر المفاسد والفتن المانعة إياهم عن كمالهم واهتدائهم حرّم عليهم.
[٩٦ ـ ١٠٢] (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢))
(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ) قيل : هو أوّل بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض ، خلقه قبل الأرض بألفي عام ، وكان زبدة بيضاء على وجه الماء ، فدحيت الأرض تحته. فالبيت إشارة إلى القلب الحقيقيّ ، وظهوره على وجه الماء تعلقه بالنطفة عند سماء الروح الحيوانيّ ، وأرض البدن وخلقه قبل الأرض إشارة إلى قدمه ، وحدوث البدن وتعيينه بألفي عام إشارة إلى تقدّمه على البدن بطورين : طور النفس ، وطور القلب. تقدّما بالرتبة ، إذ الألف رتبة تامة كما سبقت الإشارة إليه ، وكونه زبدة بيضاء إشارة إلى صفاء جوهره ، ودحو الأرض تحته إشارة إلى تكوّن البدن من تأثير ، وكون أشكاله وتخطيطاته وصور أعضائه تابعة لهيئاته فهذا تأويل الحكاية.
واعلم أن محل تعلق الروح بالبدن ، واتصال القلب الحقيقي به أولا هو القلب الصوري ، وهو أول ما يتكوّن من الأعضاء ، وأول عضو يتحرك وآخر عضو يسكن فيكون أول بيت وضع للناس (لَلَّذِي بِبَكَّةَ) الصدر صورة أو أوّل متعبد ومسجد وضع للناس للقلب الحقيقي الذي ببكة الصدر المعنويّ ، وذلك الصدر أشرف مقام من النفس وموضع ازدحامات القوى المتوجهة إليه (مُبارَكاً) ذا بركة إلهية من الفيض المتصل منه بجميع الوجود والقوّة
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
