لغلظ حجابهم وتعمقهم في البعد عن الحق ، وقبول النور وهم قسمان : قسم رسخت هيئة استيلاء النفوس الأمّارة على قلوبهم فيهم وتمكنت وتناهوا في الغيّ والاستشراء ، وتمادوا في البعد والعناد ، حتى صار ذلك ملكة لا تزول ، وقسم لم يرسخ ذلك فيهم بعد ولم يصر على قلوبهم رينا ، ويبقى من وراء حجاب النفس مسكة من نور استعدادهم عسى أن تتداركهم رحمة من الله وتوفيق ، فيندموا ويستحيوا بحكم غريزة العقول. فأشار إلى القسم الأول بقوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ) إلى آخره.
وإلى الثاني بقوله : (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا) بالمواظبة على الأعمال والرياضات ما أفسدوا (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً) إذ لا تقبل هناك إلا الأمور النورانية الباقية لأن الآخرة هي عالم النور والبقاء ، فلا وقع ولا خطر للأمور الظلمانية فيها الفانية. وهل كان سبب كفرهم واحتجابهم إلا محبّة هذه الفواسق الفانية؟ ، فكيف تكون سبب نجاتهم وقربهم وقبولهم وندبتهم وهي بعينها سبب هلاكهم وبعدهم وخسرانهم وحرمانهم.
[٩٢] (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢))
(لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ) كلّ فعل يقرّب صاحبه من الله فهو برّ ، ولا يمكن التقرّب إليه إلا بالتبرّي عما سواه ، فمن أحب شيئا فقد حجب عن الله تعالى به وأشرك شركا خفيّا لتعلق محبته بغير الله ، كما قال تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ) (١) وآثر نفسه به على الله ، فقد بعد من الله بثلاثة أوجه وهي : محبة غير الحق ، والشرك ، وإيثار النفس على الحق. فإن آثر الله به على نفسه وتصدّق به وأخرجه من يده ، فقد زال البعد وحصل القرب ، وإلا بقي محجوبا وإن أنفق من غيره أضعافه فما نال برّا لعلمه تعالى بما ينفق وباحتجابه بغيره.
[٩٣ ـ ٩٥] (كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥))
(كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ) أي : العقلاء بحكم الأصل ، إذ العقل يحكم بأن الأشياء خلقت لمنافع العباد مطلقا فما يكون من جملة المطعومات خلقت لتناولها (إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ) الروح (عَلى نَفْسِهِ) بالنظر العقليّ عند التجربة والقياس ومعرفة مضارها ومنافعها
__________________
(١) سورة البقرة ، الآية : ١٥٦.
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
