وجاء الحثحاث أبو عقيل (١) ، رجل من الأنصار ، إلى النبيّ عليهالسلام فقال : يا رسول الله : بتّ البارحة أجرّ الجرير (٢) على صاعين من تمر. فأمّا صاع فأمسكته لأهلي ، وأمّا صاع فهذا هو. [فقال له نبيّ الله عليهالسلام خيرا] (٣) ؛ فقال المنافقون : والله إن كان الله ورسوله لغنيّين عن صاع أبي عقيل. فأنزل الله هذه الآية. وقال : (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) : أي خالفوا الله ورسوله (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) (٨٠) : أي لا يكونون بالفسق مهتدين عند الله. وهذا فسق النفاق ، وهو فسق دون فسق ، وفسق فوق فسق.
وكانوا يأتون النبيّ عليهالسلام ويعتذرون إليه ، ويقولون : (إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى) [التوبة : ١٠٧] و (إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً) (٦٢) [النساء : ٦٢]. فلمّا نزلت هذه الآية قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : قد خيّرني ربّي ، فو الله لأزيدنّهم على السبعين (٤) ؛ فأنزل الله هذه الآية في سورة المنافقون (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) (٦) [المنافقون : ٦] وهو فسق النفاق. وهذا ممّا يدلّ أهل الفراق أن لو كانوا مشركين كما وصفوا لم يستغفر لهم رسول الله ، ولم يقل : لأزيدنّ على السبعين مرّة في الاستغفار لهم ؛ وما كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم ليجهل الشرك فيستغفر لأهله ، وقد قال الله : (ما
__________________
(١) أخرج الحديث البخاريّ عن أبي مسعود الأنصاريّ في كتاب التفسير ، باب (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ). وأخرجه ابن جرير الطبريّ من طريق سعيد عن قتادة مرسلا في تفسيره ، ج ١٤ ص ٣٨٤ ـ ٣٨٥. وقد اختلف الرواة في اسم أبي عقيل صاحب الصاع ؛ فقد ورد اسمه في مخطوطتي ق وع بلفظ الجحاب ، وكذلك ورد في تفسير الطبريّ بالحاء والباء. وقد أورد الحافظ ابن حجر في فتح الباري ، ج ٨ ص ٣٣١ مختلف هذه الروايات. ويبدو لي أنّ الراجح في ضبطه ما أثبتّه : «الحثحاث» بالحاء وبمثلّثتين ، كما ورد في الاستيعاب لابن عبد البرّ ، ج ٤ ص ١٧١٧ ، والله أعلم.
(٢) الجرير هو الحبل ، ويعني أنّه بات يستقي الماء من البئر وهو يجرّ حبل الدّلو.
(٣) زيادة من ز ، ورقة ١٣١.
(٤) أخرجه البخاريّ في كتاب التفسير عند تفسير الآية من سورة التوبة ، عن ابن عمر رضي الله عنهما. وأخرجه الطبريّ في تفسيره ج ١٤ ص ٣٩٦ عن ابن عبّاس مرفوعا ، وعن قتادة مرسلا.
![تفسير كتاب الله العزيز [ ج ٢ ] تفسير كتاب الله العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3819_tafsir-kitab-allah-alaziz-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
