حكمة اختصاص كل آية بما جاء فيها مختلفا عن الآية المتشابهة لها.
ويرتبط الكثير من توجيهاته بعلوم اللغة فيوضح الاستعمالات اللغوية للكلمة ، ويعتمد على التحليل اللغوى ، وهو تحليل يدل على رسوخه فى هذا الصدد. وأحيانا يعلل توجيهاته بالقواعد النحوية ويحتكم فى ذلك إلى أئمة النحو وخاصة سيبويه فى مؤلفه المشهور فى هذا العلم ، واسمه (الكتاب).
ويعالج أثناء ذلك فنون الكلام من تقديم أو تأخير أو حذف ، وكثيرا ما علل توجيهاته بالإيجاز فى مواضع والإطناب فى أخرى. والإظهار أو الإضمار أو التّصريح أو التلميح تارة أخرى.
وهو يستشهد بأقوال أئمة التفسير كلما استدعى الأمر ذكر أقوالهم.
وقد سبقت الإشارة إلى طائفة من المصادر التى يكثر رجوعه إليها فى مصنفاته فى التفسير (١). وللكرمانى مقدرة فائقة على استحضار آيات القرآن الكريم ووجوه قراءاتها ، بل استحضار اللفظة القرآنية فى جميع الآيات التى ذكرت فيها وكأنه يطالع معجما مفهرسا لألفاظ القرآن الكريم وآياته وقراءاته. ولا غرو فقد كان هو نفسه معجما حيا يوجه هذه الطاقة إلى المواطن التى تتطلبها فتساعفه فى كل ما يطلبه ، فجاء ذلك مفسّرا لوصف ياقوت له من أنه «كان عجيبا في دقّة الفهم وحسن الاستنباط» وتداول الحفاظ والمؤرخون هذه العبارة ، إقرارا منهم بانطباقها تمام الانطباق على صاحبها. ولقد يستقصى اللفظ من الآية فى جميع القرآن فيذكر الآيات التى جاء فيها هذا اللفظ أو يتتبع لفظتين من آية فيقول أحيانا : «ليس فى القرآن غيره» ولا يستدرك عليه أحد شيئا ، وهذه موهبة قلّ من حازها.
وكأن الكرمانى قد أوتى حاسة سادسة تجعله يقف على أسرار المتشابه اللفظى ، ويعرف مواطن الحكمة فى تخصيص كل آية بما يناسبها بحيث لا يصلح استبدال حرف أو لفظ أو زيادة ذلك أو حذفه فى آية بما فى الآية المناظرة لها.
والكرمانى يلتزم فى مصنفاته عز وكل قول إلى صاحبه ، وهذا الالتزام إن تباعد فى كتاب (البرهان) فذلك لأنه كتاب ابتكار وأصالة ، أما فى باقى مصنفاته فى علوم القرآن مثل تفسير (اللباب) وكتاب (غرائب التفسير) فهو يبدأ بعرض أقوال من سبقوه ثم يعلق عليها مؤيدا أو مستدركا أو معارضا أو مناقشا. هذا وإن قلّت تعليقاته فى المصنف الثانى فلأنه قصد منه سرد الغرائب والعجائب التى عثر عليها فى تفاسير من سبقوه. وأهم مصنف نال تقديره فى كتابه (البرهان) هو كتاب (درة التنزيل) للخطيب الإسكافى ، ويتبين هذا الإعجاب واضحا فى تخصيصه بالنقل عنه أكثر من غيره ، وكما قلنا : إن (درة
__________________
(١) راجع المقدمة.
