بغير «من» ؛ لأن «قبل» اسم للزمان السابق على ما أضيف إليه و «من» : تفيد استيعاب الطرفين ، وما فى هذه السورة للاستيعاب ، وقد يقع «قبل» على بعض ما تقدم كما فى الأنبياء وهو قوله : (ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ) (١). ثم وقع عقيبه : (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ) فحذف «من» لأنه هو بعينه.
* قوله تعالى : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) بالفاء. وفى الروم والملائكة (٢) بالواو ؛ لأن الفاء يدل على الاتصال والعطف ، والواو يدل على العطف المجرد. وفى هذه السورة قد اتصلت بالأول لقوله : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا) حال / من كذّبهم ، وما نزل بهم [من العذاب] (٣) وليس كذلك فى «الروم» و «الملائكة».
* قوله تعالى : (وَلَدارُ الْآخِرَةِ) (٤) بالإضافة هاهنا. وفى الأعراف : (وَالدَّارُ الْآخِرَةُ) (٥) على الصفة ؛ لأن فى هذه السورة تقدم ذكر الساعة [فصار] (٦) التقدير (٧) : ولدار الساعة الآخرة ، فحذف الموصوف. وفى الأعراف تقدم ذكر (عَرَضَ هذَا الْأَدْنى) أى : المنزل الأدنى ، فجعله وصفا للمنزل. والدار الدنيا والدار الآخرة بمعناه فأجرى بمجراه (٨).
تأمل فى هذه السورة فإن فيها برهانا وهو أحسن القصص.
__________________
(١) سورة الأنبياء (ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) الآية : ٦ ، بحذف [من]. وموافقة لها حذفت [من] أيضا من الآية التى تليها فقال : (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ) فلم تدخل [من] على الآية الأولى ولا على نظيرتها لاحتراز التناسب والتحام الجملة المنطوية على طرفى مقصدهم من اقتراح وإنكار بشرية المرسلين.
(٢) فى سورة الروم والملائكة من الآيتين ٩ ، ٤٤ على التوالى (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ).
(٣) ز. فى النسخة «ح».
(٤) سورة يوسف من الآية : ١٠٩.
(٥) سورة الأعراف (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) الآية : ١٦٩.
(٦) ز. فى البصائر ١ / ٢٦٠ وفى «ح» ٣٨ / ب : [وصار].
(٧) كذا فى «ح» وفى البصائر ، وفى الأصلية : [وتقديره].
(٨) قال الكرمانى فى غرائب التفسير وعجائب التأويل الوجه ٨٤ / ب :
[قوله : (وَلَدارُ الْآخِرَةِ) الموصوف محذوف تقديره : «ولدار الساعة الآخرة» فحذفت الساعة لتقدم ذكرها فى قوله : (أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً) أى القيامة.
سؤال : لم قال فى هذه السورة بالإضافة. وقال فى الأعراف : (وَالدَّارُ الْآخِرَةُ) على الصفة؟
الجواب : لأن فى الأعراف تقدم قوله : (عَرَضَ هذَا الْأَدْنى) أى المنزل الأدنى. والدار الدنيا بمعناه والدنيا صفة للدار. كذلك الآخرة جعلت وصفا للدار] ا. ه.
