الإشارة : إن الله لا يترك أن يظهر مثلا من أنوار قدسه بارزا بقدرته ، مرتديا برداء حكمته ، ملتبسا بأسرار ذاته ، مكسوّا بأنوار صفاته من الذرة إلى مالا نهاية له ، فالمتجلّى فى النملة هو المتجلى فى الفيلة ، فأما الذين صدّقوا بتجلى الذات فى أنوار الصفات ، فيقولون : إنه الحق فائض من نور الربوبية ، محتجبا برداء الكبرياء وسبحات الألوهية. وأما الجاحدون لظهور نور ذات الربوبية فينكرونه فى حال ظهوره ، ويقولون : ماذا أراد الله بهذه العوالم الظاهرة؟ فيقول الحق تعالى : أردت ظهور قدرتى وعجائب حكمتى ، ليظهر سر ربوبيتى فى مظاهر عبوديتى.
قال الشيخ أبو الحسن رضى الله عنه : «العبودية جوهرة أظهر بها الربوبية» وقيل لأبى الحسن النّورى : ما هذه الأماكن والمخلوقات الظاهرة؟ فقال : عز ظاهر وملك قاهر ، ومخلوقات ظاهرة به ، وصادرة عنه ، لا هى متصلة به ولا منفصلة عنه ، فرغ من الأشياء ولم تفرغ منه ، لأنها تحتاج إليه وهو لا يحتاج إليها. ه.
فأراد الله بظهور هذا الكون أن يضل به قوما فيقفون مع ظاهر غرّته ، ويهدى به قوما فينفذون إلى باطن عبرته. وما يضل به إلا الفاسقين الخارجين عن دائرة الشهود ، المنكرين لتجليات الملك المعبود ، الذين ينقضون عهد الله ، وهو معرفة الروح التي حصلت لها وهى فى عالم الذر ، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل من الشيوخ العارفين ، الذين أهّلهم الله للتربية والترقية ، وهم لا ينقطعون ما دامت الملّة المحمدية ، ويفسدون فى الأرض بالإنكار والتعويق عن طريق الخصوص ، بتضييعهم الأصول ، وهى صحبة العارفين ، والتأدب لهم ، والتعظيم لحرمتهم. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ثم عجّب الحقّ تعالى خلقه من خفائه بعد شدة ظهوره ، فقال :
(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨))
قلت : (كيف) حال ؛ لأنها وقعت قبل كلام تام.
يقول الحق جل جلاله : (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ) وتجحدون نعمه المتوالية ، (وَ) الحالة أنكم (كُنْتُمْ أَمْواتاً) نطفا فى الأرحام ، (فَأَحْياكُمْ) بنفخ الروح فى أجسادكم ، (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) عند انقضاء آجالكم ، (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) عند البعث لحسابكم ، ثم يسكنكم دار القرار ، إما إلى الجنة وإما إلى النار. فهذه الآثار دالة على باهر قدرته وتمام حكمته ، فقد وضح الحق وظهر ، (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ).
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
