ثم ذكر أقوالهم الشنيعة ، وأحوالهم الفظيعة ، فقال :
(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢))
قلت : «إذا» ظرف خافض لشرطه منصوب بجوابه ، أي : قالوا نحن مصلحون ، وقت قول القائل لهم : لا تفسدوا ، والجملة بيان وتقرير لخداعهم ، أو معطوفة على (من يقول آمنا) ، أي : ومن الناس فرقة إذا قيل لهم : لا تفسدوا ، قالوا : إنما نحن مصلحون.
يقول الحق جل جلاله : (وَإِذا قِيلَ) لهؤلاء المنافقين : (لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) بالمعاصي والتعويق عن الإيمان ، وإغراء أهل الكفر والطغيان على أهل الإسلام والإيمان ، وتهييج الحروب والفتن ، وإظهار الهرج والمرج والمحن ، وإفشاء أسرار المسلمين إلى أعدائهم الكافرين ، فإن ذلك يؤدى إلى فساد النظام ، وقطع مواد الإنعام ، (قالُوا) فى جوابهم الفاسد : (إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ) فى ذلك ، فلا تصح مخاطبتنا بذلك ، فإن من شأننا الإصلاح والإرشاد ، وحالنا خالص من شوائب الفساد ، قال تعالى : (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ) هنالك ، ولكن لا شعور لهم بذلك.
قلت : فردّ الله ما ادعوه من الانتظام فى سلك المصلحين بأقبح رد وأبلغه ، من وجوه الاستئناف الذي فى الجملة ، والاستفتاح بالتنبيه ، والتأكيد بإن وضمير الفعل ، وتعريف الخبر ، والتعبير بنفي الشعور ، إذ لو شعروا أدنى شعور لتحققوا أنهم مفسدون.
وهذه الآية عامة لكل من اشتغل بما لا يعنيه ، وعوق عن طريق الخصوص ، ففيه شعبة من النفاق ، وفى صحيح البخاري : «ثلاث من كنّ فيه كان منافقا خالصا : إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا أؤتمن خان».
الإشارة : وإذا قيل لمن يشتغل بالتعويق عن طريق الله والإنكار على أولياء الله : أقصر من هذا الإفساد ، وارجع عن هذا الغى والعناد ، فقد ظهرت معالم الإرشاد لأهل المحبة والوداد. قال : إنما أنا مصلح ناصح ، وفى أحوالى كلها صالح ، يقول له الحق جل جلاله : بل أفسدت قلوب عبادى ، ورددتهم عن طريق محبتى وودادي ، وعوقتهم عن دخول حضرتى ، وحرمتهم شهود ذاتى وصفاتى ، سددت بابى فى وجه أحبابى ، آيستهم من وجود التربية ، وتحكمت على القدرة الأزلية ، ولكنك لا تشعر بما أنت فيه من البلية.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
