ثم ذكر وبال ظلمهم وعدوانهم فقال :
(فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١))
يقول الحق جل جلاله : فبسبب ظلم (مِنَ الَّذِينَ هادُوا) ؛ وهو نقضهم الميثاق ، وكفرهم بآيات الله ، وقتلهم الأنبياء ، (حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ) كانت (أُحِلَّتْ لَهُمْ) كالشحوم ، وكل ذى ظفر ، وغير ذلك من لذيذ الطيبات ، وكانوا كلما ارتكبوا كبيرة حرّم عليهم شيئا من الطيبات ، وحرمنا ذلك أيضا عليهم (بِصَدِّهِمْ) عن طريق (اللهِ) صدا (كَثِيراً) ، أي : بإعراضهم عنه إعراضا كثيرا ، أو بصدهم عنه ناسا كثيرا كانوا يخذّلونهم عن الدخول فى دين الله ، وبأخذهم الربا (وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ) ، فهو محرم عليهم وعلى الأمة المحمدية ، وبأكلهم (أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ) كالرشوة وما كانوا يأخذونه من عوامهم ، (وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ) بمحمد صلىاللهعليهوسلم (عَذاباً أَلِيماً) ، دون من تاب وآمن به.
الإشارة : اعلم أن كل غفلة ومعصية وسوء أدب يحرم مرتكبه بسببه من لذيذ الطاعات وحلاوة المشاهدات على قدره ، شعر أو لم يشعر ، وقد يبعده من الحضرة وهو لا يشعر ، مكرا واستدراجا ، فإذا أصر عليه سلب من مقام الولاية بالكلية ، ولا يزال ينقص إيمانه شيئا فشيئا ، حتى يتفلت منه ، والعياذ بالله ، وإذا بادر بالتوبة رجى قبوله ، وكل يقظة وطاعة وحسن أدب يوجب لصاحبه الزلفى والقرب من الحضرة ، ويزيده فى حلاوة المعاملة والمشاهدة على قدره ، فلا يزال يتقرب إليه بنوافل الخيرات ، حتى يحبه فيتولاه ، فيكون سمعه وبصره ، كما فى الحديث. وبالله التوفيق.
ثم استثنى من تاب من اليهود ، فقال :
(لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢))
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
