قتلوه ونظروا إليه ، فقالوا : الوجه وجه عيسى والجسد جسد صاحبنا. (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ) أي : لا علم لهم بقتله ، لكن يتبعون الظن فقط. (وَما قَتَلُوهُ) قتلا (يَقِيناً) كما زعموا بقولهم : إنا قتلنا المسيح ، (بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ) فهو فى السماء الثانية مع يحيى عليهاالسلام ، (وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً) أي : قويا بالنقمة على اليهود ، حكيما فيما حكم عليهم من اللعنة والغضب. والله تعالى أعلم.
الإشارة : نقض عهود الشيوخ من أسباب المقت والبعد عن الله ، وكذلك الإنكار عليهم والطعن فيهم ، وكذلك البعد عن وعظهم وتذكيرهم ، وضد هذا من موجبات القرب والحب من الله ، كحفظ حرمتهم ، والوقوف مع أوامرهم ، والذب عنهم حين تهتك حرمتهم ، والدنو منهم ، والسعى فى خدمتهم. وبالله التوفيق.
ثم ذكر نزول عيسى فى آخر الزمان ، فقال :
(وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩))
يقول الحق جل جلاله : (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) أي : ما من يهودى ولا نصرانى ، أي : الموجودين حين نزوله (إِلَّا لَيُؤْمِنَنَ) بعيسى (قَبْلَ مَوْتِهِ) أي : عيسى ، وذلك حين نزوله من السماء ، روى أنه ينزل من السماء حين يخرج الدجال فيهلكه ، ولا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ويؤمن به ، حتى تكون الملة واحدة ، وهى ملة الإسلام ، وتقع الأمنة حتى يرتع الأسود مع الإبل ، والنمور مع البقر ، والذئاب مع الغنم ، ويلعب الصبيان بالحيات ، ويلبث فى الأرض أربعين سنة ، ثم يتوفى ويصلى عليه المسلمون ويدفنونه.
وقيل الضمير فى (به) إلى عيسى ، وفى (موته) إلى الكتابي ، أي : وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى بأنه عبد الله ورسوله ، (قَبْلَ مَوْتِهِ) أي : قبل خروج نفس ذلك الكتابي إذا عاين الملك ، فلا ينفعه حينئذ إيمانه ، لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل. ويؤيد هذا قراءة من قرأ : ليؤمننّ به قبل موتهم بضم النون ، لأن (أحدا) فى معنى الجمع ، وهذا كالوعيد لهم والتحريض على معاجلة الإيمان به من قبل أن يضطر إليه ولم ينفعه إيمانه ، (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) يشهد على اليهود بالتكذيب ، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله. والله تعالى أعلم
الإشارة : عند الموت تتحقق الحقائق ، ويتميز الحق من الباطل ، ويحصل الندم ، ولا ينفع حين تزل القدم ، فالمطلوب المبادرة بتحقيق الإيمان ، وتحصيل مقام العرفان ، قبل أن يسقط إلى جنبه ، فينفرد رهينا فى قبره بذنبه. والله تعالى أعلم.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
