يقول الحق جل جلاله : (قُلْ) يا محمد لأهل الكتاب الذين فرقوا فى إيمانهم بين الرسل : أما نحن فقد آمنا بالذي (أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ) على جميع الأنبياء والرسل (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) كما فرّقتم أنتم ، فضللتم ، (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) أي : منقادون لأحكامه الظاهرة والباطنة ، أو مخلصون فى أعمالنا كلها ، وقدّم المنزل علينا على المنزل على غيرنا ، لأنه عيار عليه ومعرّف به. والله تعالى أعلم.
الإشارة : ينبغى للفقير أن يبالغ فى تعظيم شيخه ، ويسوغ له التغالى فى شأنه ما لم يخرجه عن طور البشر ، وما لم يؤد ذلك إلى إسقاط حرمة غيره من الأولياء بالتنقيص أو غيره ، فحرمة الأولياء كحرمة الأنبياء ، فمن فرّق بينهم حرم بركة جميعهم. وبالله التوفيق.
ثم إن ملة الإسلام التي جاء بها نبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ هى التي أحرزت هذا الاعتقاد الصحيح ، فكل من خرج عنها فقد ضل عن الحق الصريح ، كما أشار إلى ذلك الحق تعالى بقوله :
(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦))
قلت : (وشهدوا) : عطف على ما فى (إيمانهم) من معنى الفعل ، والتقدير : بعد أن آمنوا وشهدوا.
يقول الحق جل جلاله لرجال من الأنصار ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة ، منهم الحارث بن سويد الأنصاري : (وَمَنْ) يطلب (غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً) يتدين به (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) أبدا ، (وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ) ؛ لأنه أبطل الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها ، واستبدلها بالتقليد الرديء ، بعد أن عاين سواطع البرهان ، وشهدت نفسه بالحق والبيان ، ولذلك وقع التعجب والاستبعاد من هدايته فقال : (كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا) بعد أن آمنوا ، (وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ) أي : المعجزات الواضحات ، فإن الحائد عن الحق بعد ما وضح ، منهمك فى الضلال ، بعيد عن الرشاد ، فقد ظلم نفسه وبخسها ، (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) الذين ظلموا أنفسهم بالإخلال بالنظر ، ووضعوا الكفر موضع الإيمان ، ولعل هذا فى قوم مخصوصين سبق لهم الشقاء.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
