علمه أو حاله بانقطاع نسله الروحاني ، ولا شك فى فضل بقاء النسل الحسى أو المعنوي ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو ولد صالح يدعو له ، أو علم ينتفع به». وشمل الولد البشرى والروحاني ، وقال عليه الصلاة والسلام لسيدنا على ـ كرم الله وجهه ـ : «لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم».
وقال بعض الشعراء (١) :
|
والمرء فى ميزانه أتباعه |
|
فاقدر إذن قدر النبي محمّد |
وقد سلك هذا المسلك القطب ابن مشيش فى طلب الولد الروحاني ، حيث قال فى تصليته المشهورة : (اسمع ندائى بما سمعت به نداء عبدك زكريا) ، فأجابه الحق تعالى بشيخ المشايخ القطب الشاذلى. وغير واحد من الأولياء دخل محراب الحضرة ، ونادى نداء خفيا فى صلاة الفكرة ، فأجابته الهواتف فى الحال ، بلسان الحال أو المقال : إن الله يبشرك بمن يحيى علمك ويرث حالك ، مصدقا بكلمة من الله ، وهم أولياء الله ، وسيدا وحصورا عن شواغل الحس ، مستغرقا فى مشاهدة القرب والأنس ، ينبئ بعلم الغيوب ، ويصلح خلل القلوب ، فإذا استعظم ذلك واستغربه ، قيل له : الأمر كذلك ، (الله يفعل ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) ، فحسبك الاشتغال بذكر الله ، والغيبة عما سواه. وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ثم ذكر اصطفائية مريم بالخصوص بعد العموم فقال :
(وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣))
يقول الحق جل جلاله : واذكر (إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ) أي : جبريل ، أو جماعة ، كلمتها شفاها ؛ كرامة لها. وفيه إثبات كرامة الأولياء ، وليست نبية ؛ للإجماع على أنه تعالى لم يستنبئ امرأة ؛ لقوله : (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ) فقالوا لها : (يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ) لخدمة بيته ، ولم يقبل قبلك أنثى قط ، وفرغك لعبادته ، وأغناك برزقه عن رزق غيره ، (وَطَهَّرَكِ) من الأخلاق الذميمة ، ومما يستقذر من النساء ، (وَاصْطَفاكِ) ثانيا بهدايته لك ، وتخصيصك بتكليم الملائكة ، وبالبشارة بالولد من غير أب ، فقد اصطفاك (عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ). (٢)
__________________
(١) وهو الشيخ البوصيرى.
(٢) انظر فى مسألة نبوة مريم : فتح الباري ٦ / ٥٤٢.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
