فمن ادعى محبة الله أو محبة رسوله ، ولم يطعهما ، ولم يتخلق بأخلاقهما ، فدعواه كاذبة ، وفى ذلك يقول ابن المبارك (١) :
|
تعصى الإله وأنت تظهر حبّه |
|
هذا محال فى القياس بديع |
|
لو كان حبّك صادقا لأطعته |
|
إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع |
ثم ذكر الحق تعالى بيان نشأة عيسى عليهالسلام ، وبيان أصله ونشأة أمه ، توطئة للكلام مع النصارى والرد عليهم فى اعتقادهم فيه. وقال البيضاوي : لما أوجب الله طاعة الرسل ، وبيّن أنها الجالبة لمحبة الله ، عقّب ذلك ببيان مناقبهم تحريضا عليها فقال :
(إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧))
قلت : (ذرية) : حال ، أو بدل من الآلين ، أو من نوح ، أي : أنهم ذرية واحدة متشعبة بعضها من بعض. و (إذ قالت) : ظرف لعليم ، أو بإضمار اذكر. و (محررا) : حال ، والتحرير : التخلص ، يقال : حررت العبد ، إذا خلصته من الرق ، وحررت الكتاب ، إذا أصلحته وأخلصته ، ولم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاح ، ورجل حر ، أي : خالص ، ليس لأحد عليه متعلق ، والطين الحر ، أي : الخالص من الحمأة. وقوله : (وإنى سميتها مريم) : عطف على (إنى وضعتها) ، وما بينهما اعتراض ، من كلامها على قراءة التكلم ، أو من كلام الله على قراءة التأنيث.
يقول الحق جل جلاله : (إِنَّ اللهَ اصْطَفى ، آدَمَ) ؛ بالخلافة والرسالة ، (وَنُوحاً) ؛ بالرسالة والنّذارة ، (وَآلَ إِبْراهِيمَ) ؛ بالنبوة والرسالة ، وهم : إسحاق ، ويعقوب والأسباط ، وإسماعيل ، وولده سيد ولد آدم نبينا محمد صلىاللهعليهوسلم بالنبوة والرسالة والمحبة الجامعة. (وَآلَ عِمْرانَ) ، وهم موسى وهارون ـ عليهماالسلام ـ وهو عمران بن يصهر
__________________
(١) الشعر ينسب لأكثر من واحد.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
