يقول الحق جل جلاله ، لقوم من الأنصار ، كانوا يوالون اليهود ؛ لقرابة أو صداقة تقدمت فى الجاهلية : (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ) ، أي : أصدقاء ، إذ الحب إنما يكون فى الله والبغض فى الله ، أو لا تستعينوا بهم فى غزو ولا غيره ، فلا تودوهم (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ؛ إذ هم أحق بالمودة ، ففيهم مندوحة عن موالاة الكفرة ، (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) الاتخاذ (فَلَيْسَ مِنَ) ولاية (اللهِ فِي شَيْءٍ) ؛ إذ لا تجتمع ولاية الله مع ولاية عدوه. قال الشاعر :
|
تودّ عدوّى ثمّ تزعم أنّنى |
|
صديقك ، ليس النّوك عنك بعازب |
والنّوك ـ بضم النون ـ : الحمق.
فلا توالوا الكفار (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً) أي : إلا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه ، فلا بأس بمداراتهم ظاهرا ، والبعد منهم باطنا ، كما قال عيسى عليهالسلام : (كن وسطا وامش جانبا). وقال ابن مسعود رضي الله عنه : خالطوا الناس وزايلوهم ، وصافحوهم بما يشتهون ، ودينكم لا تثلموه. وقال جعفر الصادق : إنى لأسمع الرجل يشتمنى فى المسجد ، فأستتر منه بالسارية لئلا يرانى. ه. (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) أي : يخوفكم عذابه على موالاة الكفار ومخالفة أمره وارتكاب نهيه ، تقول العرب : احذر فلانا : أي : ضرره لا ذاته ، وفى ذكر النفس زيادة تهديد يؤذن بعقاب يصدر منه بلا واسطة ، (وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ) ؛ فيحشر كل قوم مع من أحب.
(قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ) من موالاة أعدائه ، (أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ) ؛ فلا يخفى عليه ما تكن الصدور من خير أو شر. وقدّم فى سورة البقرة الإبداء ، وأخره هنا ؛ لأن المحاسبة لا ترتيب فيها بخلاف العلم ، فإن الأشياء التي تبرز من الإنسان يتقدم إضمارها فى قلبه ثم تبرز ، فقد تعلق علم الله تعالى بها قبل أن تبرز ، فلذلك قدّم هنا الإخفاء لتقدم وجوده فى الصدر ، وأخره فى البقرة ، لأن المحاسبة لا ترتيب فيها ، (وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) فلا يخفى عليه شىء ، (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ؛ فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا ، والآية بيان لقوله : (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) ؛ لأن الذات العالية متصفة بعلم محيط بجميع المعلومات ، وبقدرة تحيط بجميع المقدورات ، فلا تجسروا على عصيانه ، فإنه ما من معصية إلا وهو مطلع عليها ، قادر على العقاب عليها يوم القيامة.
(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً) بين يديها تنتفع به ، (وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً) ، كما بين المشرق والمغرب ، ولا ينفع الندم وقد زلّت القدم. (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) ، كرره للتأكيد وزيادة التحذير ، وسيأتى فى الإشارة حكمة تكريره ، (وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) حيث حذرهم مما يضرهم ، وأمرهم بما يقربهم ، فكل ما يصدر منه ـ سبحانه ـ فى غاية الكمال.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
