يهوديا ، فقال لهما النبي صلىاللهعليهوسلم : «فهلمّوا إلى التّوراة فهى بيننا وبينكم» فأبيا عليه ، فنزلت الآية). وقيل : نزلت فى الرجم ، على ما يأتى فى العقود.
(ذلِكَ) الإعراض بسبب اغترارهم وتسهيلهم أمر العقاب ، فقالوا : (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ) ؛ أربعين يوما ، قدر عبادتهم العجل ، ثم يخلفهم المسلمون ، (وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) بزعمهم الفاسد وطمعهم الفارغ.
يقول الحق جل جلاله : (فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ) ، وهذا تهويل لشأنهم ، واستعظام لما يحيق بهم ، (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ) من خير أو شر ، (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) أي : لا يبخسون من أعمالهم شيئا ، فلا ينقص من الحسنات ، ولا يزاد على السيئات. وفيه دليل على أن المؤمن لا يخلد فى النار. قال ابن عباس : (أول راية ترفع لأهل الموقف ، ذلك اليوم ، راية اليهود ، فيفضحهم الله تعالى على رءوس الأشهاد ، ثم يؤمر بهم إلى النار).
الإشارة : ترى كثيرا ممن ينتسب إلى العلم والدين ينطلق لسانه بدعوى الخصوصية ، وأنه منخرط فى سلك المقربين ، فإذا دعى إلى حق ، أو وقف على عيب من عيوب نفسه ، أعرض وتولى ، وغرته نفسه ، وغلبه الهوى ، فجعل يحتج لنفسه بما عنده من العلم أو الدين ، أو بمن ينتسب إليهم من الصالحين ، فكيف يكون حاله إذا أقبل على الله بقلب سقيم ، ورأى منازل أهل الصفا ، الذين لقوا الله بقلب سليم ، حين ترفع درجاتهم مع المقربين ، ويبقى هو مع عوام أهل اليمين؟ قال تعالى : (وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) الآية.
ثم ذكر الحق تعالى نزع ملك أهل الكتاب ، وسلب عزهم ، وانتقاله إلى المسلمين ، فقال :
(قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧))
قلت : (اللهم) منادى مبنى على الضم ، حذفت منه الياء المتضمنة للفرق ، وعوضت منها الميم المؤذنة بالجمع ، لئلا يبقى بين الداعي والمدعو فرق (١) ، و (مالك) : نعت لمحل المنادى ؛ لأنه مفعول ، ومنادى ثان عند سيبويه ، لأن الميم عنده تمنع الوصفية.
يقول الحق جل جلاله : (قُلِ) يا محمد فى استنصارك على عدوك : (اللهُمَ) يا (مالِكَ الْمُلْكِ) ؛ ملك الدنيا وملك الآخرة ، (تُؤْتِي الْمُلْكَ) والنصر (مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ) ، فهب لنا ملك الدارين ،
__________________
(١) هذا توجيه إشارى.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
