علمه أو ملكه ، مأخوذ من كرسى العلم والملك ، وقيل : جسم بين يدى العرش محيط بالسماوات السبع لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ : «ما السموات السبع والأرضون السبع فى الكرسي إلا كحلقة فى فلاة ، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة» ولعله الفلك المشهور بفلك البروج. ه. قلت : وقد اعترض السيوطي فى حاشيته عليه (١). فالله تعالى أعلم.
(وَلا يَؤُدُهُ) أي : لا يثقله ولا يشقّ عليه (حِفْظُهُما) أي : حفظ السموات والأرض. وإنما لم يتعرض لذكر ما فيهما لأن حفظهما مستتبع لحفظه ، (وَهُوَ الْعَلِيُ) أي : المتعالي عن الأشباه والأنداد ، (الْعَظِيمُ) أي : عظيم الشأن ، جليل القدر ، الذي يستحقر كلّ شىء دون عظمته.
وهذه الآية مشتملة على أمهات المسائل الإلهية ، فإنها دالة على أنه تعالى موجود واحد فى الألوهية ، متصف بالحياة الذاتية ، واجب الوجود لذاته ، موجد لغيره ؛ إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره ، منزه عن التحيز والحلول ، مبرّأ عن التغير والفتور ، لا يناسب الأشباح ، ولا يعتريه ما يعترى الأرواح ، مالك الملك والملكوت ، مبدع الأصول والفروع ، ذو البطش الشديد ، الذي لا يشفع عنده إلا من أذن له. عالم بالأشياء كلها : جليّها وخفيّها ، كلّيّها وجزئيّها. واسع الملك والقدرة لكل ما يصح أن يملك ويقدر عليه ، لا يشقّ عليه شاق ، ولا يشغله شأن عن شأن ، متعال عن تناول الأوهام ، عظيم لا تحيط به الأفهام ، ولذلك تفردت عن أخواتها بفضائل رائعة وخواص فائقة ، قال صلىاللهعليهوسلم : «أعظم آية فى القرآن آية الكرسىّ». وقال عليه الصلاة والسلام : «من قرأ آية الكرسىّ دبر كلّ صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنّة إلا الموت ـ وفى رواية ـ كان الذي يتولىّ قبض روحه ذو الجلال والإكرام ـ ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد ، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمن على نفسه وجاره وجار جاره ، والأبيات حوله».
وقال عليه الصلاة والسلام : «ما قرئت هذه الآية فى بيت إلا هجرته الشياطين ثلاثين يوما ، ولا يدخله ساحر ولا ساحرة أربعين يوما ، يا علىّ ؛ علّمها ولدك وأهلك وجيرانك ، فما نزلت آية أعظم منها». قاله البيضاوي وأبو السعود ، وتكلم السيوطي فى بعض هذه الأحاديث. والفضائل يعمل فيها بالضعيف. والله تعالى أعلم.
الإشارة : يا أيها الذين آمنوا إيمان أهل الخصوصية ـ (أنفقوا مما رزقناكم) من سعة العلوم ومخازن الفهوم ، من قبل أن يأتى يوم اللقاء ، يوم تسقط فيه المعاملات وتغيب تلك الإشارات ، لا ينفع فيه إلا الدخول من باب الكرم ،
__________________
(١) في حاشيته على البيضاوي ، والمسماة نواهد الأبكار وشوارد الأفكار.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
