ولمّا ذكر فى هذه السورة جملة من الأنبياء والرسل ، وشهد لرسوله صلىاللهعليهوسلم أنه من المرسلين ذكر تفضيل بعضهم على بعض فى الجملة ، فقال :
(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ...)
قلت : (تلك) : مبتدأ ، و (الرسل) : نعت ، أو بدل منه ، أو بيان ، و (فضلنا) ، خبر ، أو (الرسل) خبر ، و (فضلنا) : خبر ثان ، والإشارة إلى الجماعة المذكور قصصها فى السورة.
يقول الحق جل جلاله : (تِلْكَ الرُّسُلُ) الذين قصصناهم عليك ، وذكرت لك أنك منهم ، (فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) بخصائص ومناقب لم توجد فى غيره. لكن هذا التفضيل إنما يكون فى الجملة من غير تعيين المفضول ، لأنه تنقيص فى حقه وهو ممنوع. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : «لا تخيّروا بين الأنبياء» ، «ولا تفضلونى على يونس بن متى» فإن معناه النهى عن تعيين المفضول ، لأنه غيبة وتنقيص ، وقد صرح صلىاللهعليهوسلم بفضله على جميع الأنبياء بقوله : «أنا سيّد ولد آدم ولا فخر». لكن لا يعيّن أحدا من الأنبياء بالمفضولية ؛ لئلا يؤدى إلى نقصه ، فلا تعارض بين الحديثين.
(مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ) وهو موسى عليهالسلام فى جبل الطور ، وسيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم حين كان قاب قوسين أو أدنى ، (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ) وهو نبينا محمد صلىاللهعليهوسلم ؛ فإنه خصّ بالدعوة العامة ، والحجج المتكاثرة ، والمعجزات المستمرة ، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهر ، والفضائل العلمية والعملية الفائتة للحصر. والإبهام لتفخيم شأنه ، كأنه العلم المشهور المتعين لهذا الوصف المستغنى عن التعيين. وقيل : إبراهيم ، خصه بالخلة التي هى أعلى المراتب. قلت : بل المحبة أعلى منها (١) ، وقيل : إدريس لقوله : (وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا) ، وقيل : أولو العزم من الرسل ، قاله البيضاوي.
(وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ) أي : الآيات الواضحات ، كإحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، (وأيدناه بروح القدس) ، أي : جبريل عليهالسلام كان معه أينما سار ، وخصّه بالتعيين ؛ لإفراط اليهود والنصارى فى تحقيره وتعظيمه ، فردّهم إلى الصواب باعتقاد نبوته دون ربوبيته.
__________________
(١) سواء كانت المحبة أعلى أم الخلة ـ فكلتاهما حاصلة لنبينا وسيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم. وانظر في مسألة : أيهما أعلى : المحبة أم الخلة؟ الشّفا للقاضى عياض ١ / ٢١٣.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
