موتوا ، فماتوا كلهم أجمعون ، ومرت عليهم مدة ثمانية أيام أو أكثر حتى انتفخوا ، وقيل : صاروا عظاما ، فمرّ عليهم نبى الله (حزقيل) ، فدعا الله تعالى ، واستشفع فيهم ، فأحياهم الله ، وعاشوا دهرا ، عليهم سيما الموت ؛ لا يلبسون ثوبا إلا عاد كالكفن ، واستمر فى أسباطهم. ه.
قال الأصمعى : لما وقع الطاعون بالبصرة ، خرج رجل منها على حمار معه أهله ، وله عبد يسوق حماره ، فأنشأ العبد يقول :
|
لن يسبق الله على حمار |
|
ولا على ذى مشعة طيّار |
قد يصبح الله أمام الساري (١) فرجع الرجل بعياله.
والآية تدل على أن الفرار من الطاعون حرام فى تلك الشريعة ، كما حرم فى شرعنا ، وروى عبد الرحمن ابن عوف أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «إذا سمعتم هذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع ببلد وأنتم فيه فلا تخرجوا منه».
قلت : وقد اختلف الأئمة فى حكم الفرار والقدوم : فمنهم من شهر المنع فيهما تمسكا بظاهر الحديث ، ومنهم من شهر الكراهة. والمختار فى الفرار : التحريم ، وفى القدوم : التفصيل ، فمن قوى يقينه ، وصفا توحيده ، حلّ له القدوم ، ومن ضعف يقينه ، بحيث إذا أصابه شىء نسب التأثير لغير الله حرم عليه القدوم.
وفى حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قلت : يا رسول الله ، ما الطاعون؟ قال : «غدة كغدة البعير ، المقيم فيه كالشهيد ، والفارّ منه كالفار من الزحف». قال ابن حجر : كون المقيم فيه له أجر شهيد إنما بشرط أن يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له ، وأن يسلم إليه أمره ويرضى بقضائه ، وأن يبقى فى مكانه ولا يخرج منه بقصد الفرار ، فإذا اتصف الجالس بهذه القيود حصل له أجر الشهادة. ودخل تحته ثلاث صور ، الأولى : من اتصف بذلك فوقع له الطاعون ومات فهو شهيد. والثانية : من وقع به ولم يمت به فهو شهيد وإن مات بعد ذلك. والثالثة : من لم يقع به أصلا ومات بغيره عاجلا أو آجلا فهو شهيد ، إذا حصلت فيه القيود الثلاثة ، ومن لم يتصف بالقيود الثلاثة فليس بشهيد ، ولو مات بالطاعون. والله أعلم ه.
وأما القدوم من بلد الطاعون إلى البلد السالمة منه فجائز. ولا يمنع من الدخول ، قاله الباجى وابن حجر والحطاب وغيرهم لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ : «لا عدوى ولا طيرة» وأما قوله عليه الصلاة والسلام :
__________________
(١) ذكر القرطبي البيت الثاني كاملا ، وهو :
|
أو يأتى الحتف على مقدار |
|
قد يصبح الله أمام الساري |
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
