وقلت فى تائيتى الخمرية فى وصف الخمرة الأزلية :
|
تنزّهت عن حكم الحلول فى وصفها |
|
فليس لها فى سوى شكله حلّت |
|
تجلّت عروسا فى مرائى جمالها |
|
وأرخت ستور الكبرياء بعزّة |
|
فما ظهر فى الكون غير بهائها |
|
وما احتجبت إلا لحجب سريرة |
ولما قالت اليهود : عزيز ابن الله ، وقالت النصارى : المسيح ابن الله ، وقالت المشركون : الملائكة بنات الله ، ردّ الله تعالى عليهم بقوله :
(وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧))
قلت : هذه الجملة معطوفة على قوله : (وَقالَتِ الْيَهُودُ ...) إلخ ، ومن قرأ بغير واو جعلها مستأنفة ، و (بديع) : بمعنى مبدع ، والإبداع : اختراع الشيء من غير تقدم شىء. وقوله : (كن فيكون) ، قدّره سيبويه : فهو يكون ، وقرأ ابن عامر بنصب المضارع ، ولحنه بعضهم ؛ لأن المنصوب فى جواب الأمر لا بد أن يصلح جوابا لشرطه ، تقول : اضرب زيدا فيستقيم ، أي : إن تضربه يستقيم ، ولا يصلح أن تقول هنا : إن يكن يكن ، وقد يجاب بحمله على المعنى ، والتقدير : إن قلت كن يكن.
يقول الحق جل جلاله : وقالت اليهود والنصارى والمشركون : (اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً) تعالى الله عن قولهم ، وتنزه عن ذلك ؛ لأنه يقتضى الجنسية والمشابهة والاحتياج ، والحق منزّه عن ذلك. بل كل ما استقر فى السموات السبع والأرضين السبع ملكه وعبيده ، فكيف يكون العبد ولدا لمالكه؟. وأيضا كل ما ظهر فى الوجود كله قانت ، أي : خاضع ومطيع لله ، وعابد له ، ومقهور تحت حكمه ومشيئته ، وذلك مناف لحال البنوة.
وأيضا : كل ما دخل عالم التكوين فهو مبدع ومخترع لله ، ومصنوع من مصنوعات الله ، فلا يصح أن يكون ولدا ، وأيضا : الولد يحتاج إلى صاحبة ومعالجة ومهلة ، والحق تعالى أمره بين الكاف والنون ، بل أسرع من لحظ العيون ، فإذا (قَضى أَمْراً) أي : أراده ، (فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، ولا يتوقف على لفظة (كُنْ) ، وإنما هو كناية عن سرعة الاقتدار.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
