ولما كان المسلمون يقولون للرسول صلىاللهعليهوسلم : راعنا يا رسول الله وأرعنا سمعك ، يعنون من المراعاة والانتظار ، وهى عند اليهود سب من الرعونة ، ففرحت اليهود ، وقالوا : كنا نسب محمدا سرا ، فأعلنوا له بالشتم ، فكانوا يقولون : يا محمد راعنا ويضحكون ، نهى الله تعالى المسلمين عن هذه اللفظة ، فقال:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤))
قلت : يقال راعى الشيء يراعيه مراعاة : انتظره أو التفت إليه. ويقال : رعى إلى الشيء ، وراعاه وأرعاه : إذا أصغى إليه واستمعه.
يقول الحق جل جلاله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا) للرسول صلىاللهعليهوسلم : (راعِنا) أي : انتظرنا أو أمهل علينا لأن فى ذلك ذريعة لسب اليهود ، أو قلة أدب ، وقولوا : (انْظُرْنا) أي : انتظرنا (وَلِلْكافِرِينَ) المؤذين لرسول الله صلىاللهعليهوسلم (عَذابٌ أَلِيمٌ) أي : موجع.
الإشارة : حسن الخطاب من تمام الآداب ، وتمام الآداب هو السبب الموصل إلى عين الصواب ، فمن لا أدب له لا تربية له ، ومن لا تربية له لا سير له ، ومن لا سير له لا وصول له ، فمن لا يتربى على أيدى الرجال لا يربى الرجال ، وقد قالوا : من أساء الأدب مع الأحباب طرد إلى الباب ، ومن أساء الأدب فى الباب طرد إلى سياسة الدواب. وقالوا أيضا : اجعل عملك ملحا ، وأدبك دقيقا. وقال آخر : إن الإنسان ليبلغ بالخلق وحسن الأدب إلى عظيم الدرجات وهو قليل العمل ، ومن حرم الأدب حرم الخير كله ، ومن أعطى الأدب فقد مكن من مفاتيح القلوب.
قال أبو عثمان رضي الله عنه : الأدب عند الأكابر وفى مجالس السادات من الأولياء يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلا والخير فى الدنيا والعقبى. وقال أبو حفص الحداد رضي الله عنه : التصوف كله آداب ، لكل وقت أدب ، ولكل حال أدب ، ولكل مقام أدب ، فمن لازم الأدب بلغ مبلغ الرجال ، ومن حرم الأدب فهو بعيد من حيث يظن القرب ، مردود من حيث يرجو الوصول. وقال ذو النون المصري رضي الله عنه : (إذا خرج المريد عن استعمال الأدب فإنه يرجع من حيث جاء). وقيل : من لم يتأدب لوقت فوقته مقت. وقيل : من حبسه النسب أطلقه الأدب ، ومن قل أدبه كثر شغبه. وقيل : الأدب سند الفقراء ، وزينة الأغنياء. ه. وبالله التوفيق.
ومن مساوئ اليهود أيضا الحسد والغل ، وإليه أشار الحق تعالى بقوله :
(ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥))
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
