(وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ) السحر حتى ينصحاه ويقولا : (إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ) لكم ، واختبار من الله تعالى لعباده ، ليظهر من يصبر عنه ومن لا يصبر ، وكان تعلمه فى ذلك الوقت كفرا. فيقولان له (فَلا تَكْفُرْ) بتعلّمه ، فكانوا يتعلمون (مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) وقدرته ، فلا تأثير لشئ إلا بإذن الله ، ويتعلمون منهما (ما يَضُرُّهُمْ) يوم القيامة (وَلا يَنْفَعُهُمْ) ، ولقد علم بنو إسرائيل أن من اشتراه واستبدله بكتاب الله والعمل بما فيه (ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ) نصيب ، (وَلَبِئْسَ) ما باعوا به حظ أنفسهم من النعيم (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) ، لكن لما لم يعملوا بعلمهم كانوا كمن لا علم عنده.
(وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا) بالله ورسوله (وَاتَّقَوْا) الكفر والسحر ، لأثيبوا ثوابا كبيرا ، وكان ذلك خيرا لهم مما استوجبوه من العقاب (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ).
الإشارة : كل من أكبّ على دنياه وتتبع حظوظه وهواه ، وترك العمل بما جاء من عند الله ، يصدق عليه أنه نبذ كتاب الله ، واشتغل بما سواه من حب الدنيا والرئاسة والجاه ، فالدنيا سحارة غرارة ، تسحر القلوب وتغيبها عن حضرة علام الغيوب وفى الحديث : «اتقوا الدّنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت» ، ولا شك أنها تفرق بين الأحباب وبين العشائر والأصحاب. ولقد علم من أخذ الدنيا ونعيمها ، وأكب عليها ما له فى الآخرة من نصيب ، فبقدر ما يأخذ من نعيم الدنيا وشهواتها ينقص له من نعيم الآخرة. ولبئس ما شروا به أنفسهم ـ حيث آثروا الحياة الدنيا على الآخرة ـ لو كانوا يعلمون. ولو أنهم آمنوا بالله ، واتقوا كل ما يشغل عن الله لكانوا من أولياء الله ، وتلك المثوبة ـ التي صاروا إليها ـ خير لو كانوا يعلمون.
قال عبد الواحد بن زيد : سمعت أن جارية مجنونة فى خراب الأبلّة تنطق بالحكم ، فطلبتها حتى وجدتها ، وهى محلوقة الرأس ، وعليها جبة صوف ، فلما رأتنى قالت : مرحبا بك يا عبد الواحد ، ثم قالت : يا عبد الواحد ما جاء بك؟ فقلت : تعظيننى ، فقالت : ووا عجبا لواعظ ، يوعظ ، يا عبد الواحد .. اعلم أن العبد إذا كان فى كفاية ، ومال إلى شىء من الدنيا ، سلبه الله حلاوة الزهد ، وظل حيرانا ولها ، فإن كان له عند الله نصيب عاتبه وحيا فى سره ، فيقول له : عبدى أردت رفع قدرك عند ملائكتى ، وأجعلك دليلا لأوليائى ، ومرشدا لأهل طاعتى ، فملت إلى عرض الدنيا وتركتنى ، فأورثك ذلك الوحشة بعد الأنس ، والذل بعد العز ، والفقر بعد الغنى ، ارجع إلى ما كنت عليه ارجع إليك ما كنت تعرفه من نفسك. ثم انصرفت عنى وتركتنى وبقيت حسرتها فى قلبى. ه.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
