|
من لم يكن فانيا عن حظّه |
|
وعن الفنا والأنس بالأحباب |
|
فلأنّه بين المنازل واقف |
|
لمنال حظّ أو لحسن مآب (١) |
ويقول أيضا للأقوياء الذين قتلوا أنفسهم وخرجوا عن عوائدهم : وإن يأتوكم أسارى فى أيدى نفوسهم وعوائدهم ، أو فى طلب الدنيا وشهواتها ، تفدوهم من أسرهم ، وتفكوهم من قيودهم ، وتدخلوهم فى حضرة مولاهم ، وفى بعض الآثار : (طالب الدنيا أسير ، وطالب الآخرة أجير ، وطالب الحق أمير) ه. والأمير هو الذي يفك الأسارى من أيدى العدو ، لأجل ما ملكه الله من القوة والاستعداد ، فإذا انفك العبد من هواه ، دخل فى حضرة مولاه ، فمن رام إخراجه منها بعد دخوله يقال له : وهو محرم عليكم إخراجهم ، فكيف تؤمنون بظاهر الشريعة وتنكرون علم الطريقة ، وأنوار الحقيقة؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى فى الحياة الدنيا وهو الحرص والطمع ، والخوف والجزع وطول الأمل ، وعدم النهوض إلى العمل ، (ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب) ، وهو غم الحجاب وسوء الحساب ، (وما الله بغافل عما يعملون).
ثم بيّن الحق تعالى وصفهم وذكر ما أعد لهم ، فقال :
(أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦))
يقول الحق جل جلاله : (أُولئِكَ) الناقضون للعهود المتعدون الحدود (اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا) وزخارفها الغرارة (بِالْآخِرَةِ) الباقية الدائمة ، (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ) ساعة فى الدنيا بالذل والهوان ، وفى الآخرة بدخول النيران ، (وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) بالامتناع منه فى كل أوان.
الإشارة : أولئك الذين نظروا إلى غرة ظاهر الأكوان ، ولم ينفذوا إلى عبرة باطنها ، فلا ينقطع عنهم عذاب الوهم والحجاب ، ولا هم ينصرون من أليم العذاب.
ثم وبّخهم الحق تعالى على تكذيب الرسل وقتلهم إياهم ، فقال :
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧))
__________________
(١) نسبهما الطوسي فى اللمع لأبى على الروذبارى.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
