فلما رأوا جدّه (قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ) ، هل هى كبيرة أو صغيرة أو متوسطة؟ (قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ) أي : كبيرة ، (وَلا بِكْرٌ) أي : ولا صغيرة ، (عَوانٌ) متوسطة بين ما ذكر من الصغر والكبر ، (فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ) ، فإن الله يبين لكم القاتل ، (قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها) ، أهي حمراء أو سوداء أو صفراء؟ (قالَ إِنَّهُ) تعالى (يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها) ناصع صفرتها (تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) لسمنها وبهجة لونها ، (قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ) ، فإن البقر الصفر كثير ، وقد تشابه علينا أمرها؟ (قالَ إِنَّهُ) تعالى يقول : إنها مسلمة من العمل ليست ذلولا ، أي : مذللة بالعمل لا (تُثِيرُ) أي : تقلب (الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ) بالسانية (١). (مُسَلَّمَةٌ) من العيوب كلها ، (لا شِيَةَ فِيها) أي : لا رقم فيها يخالف الصفرة.
فلما تبين لهم الأمر (قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ) الواضح ، فوجدوها عند شاب كان بيد أمه ، قد استودعها له أبوه فى غيضة (٢) ، فاشتروها منه بملء جلدها ذهبا ، أو بوزنها ، (فَذَبَحُوها) ، وضربوا القتيل بجزء منها ، فجلس وعروقه تسيل دما ، وقال : قتلنى ابن عم لى ، ثم رجع ، (وَما كادُوا يَفْعَلُونَ) لكثرة ترددهم ، أو لفحش غلوها. قال عليه الصلاة والسلام : «لو ذبحوا أدنى بقرة لكفتهم لكن شددوا فشدد الله عليهم».
ثم ذكر أول القصة ، فقال :
(وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣))
قلت : حق هذه الآية أن تتقدم قبل قوله : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ ...) وإنما أخّرها الحق تعالى ليتوجه العتاب إليهم مرتين ؛ على ترك المسارعة لامتثال أمر نبيهم ، وعلى قتل النفس ، ولو قدمها لكانت قصة واحدة بتوبيخ واحد.
يقول الحق جل جلاله : (وَ) اذكروا (إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً) حرصا على الدنيا (فَادَّارَأْتُمْ) أي : تدافعتم فى شأنها ، كل قرية تدفع عنها ، (وَاللهُ) تعالى (مُخْرِجٌ) ومبين (ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) من القتل ، ومن قتله ، (فَقُلْنا) : اضربوا القتيل أو قبره (بِبَعْضِها) قيل : اللسان ، وقيل : القلب ، وقيل : الفخد أو الذنب ، فضربوه فحيى ، وأخبر بقاتله كما تقدم ، (كَذلِكَ) أي : كما أحيا هذا القتيل ، (يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى) من قبورها (وَيُرِيكُمْ آياتِهِ) الدالة على قدرته ، (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) فتعلمون أن من قدر على إحياء نفس واحدة يقدر على إحياء الأنفس كلها.
__________________
(١) السانية : الساقية.
(٢) الموضع الذي يكثر فيه الشجر.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
