إلها عليما قديرا حكيما في صنعه سيعود إليه ؛ فيجازي المحسن بإحسانه ، والمسيء بكفرانه ، لم يكن له ما يوجب تخلّقه بالأخلاق الفاضلة ، كالرحمة والرأفة والعدالة والنصيحة لأبناء نوعه وأمثال ذلك ، والاجتناب عن القسوة والظلم والخيانة إلى غير ذلك ، فإنّ الطبيعة إنّما جهّزت كلّ فرد منّا ، من الحواس والقوى والأعضاء بما يفعل لنفسه ، ويعود منافعه إليه من غير اشتراك في ذلك ، غير أنّه مجهّز بالفكر ، وهو الذي يقضي ويحكم بأنّه يجب على الإنسان أن يأخذ بالاجتماع والتعاون ، حتّى يقتني منافع نفسه في ضمن منافع الغير ، ولو لا ذلك لبطل منافع نفسه ؛ لكون سائر الأفراد أمثالا له ، يريدون ما يريده ، ويكرهون ما يكرهه ، وهذا إنّما لو يستقيم مؤثرا إذا ساوى جميع الأفراد من جميع الجهات إدراكا وقوّة ، وليس من اللازم ذلك ، فإن الأفراد مختلفة من حيث دهاء الإدراك ، ومن حيث القوّة في غالب جهات الحياة ؛ فإنّ كلّ فرد منّا يستقبله كلّ يوم ألوف وألوف من الأعمال والأفعال المرتبطة مع غيره ، يمكنه أن يتغلّب على الغير ، بحيث لا ينجرّ إلى بطلان منافعه الخاصّة به ، أو يكون ما يقتنيه أهمّ عنده ممّا يفوت منه ، كما يفعله أولوا الطول والقوّة كثيرا ، فيحطمون منافع الألوف من الناس لمنفعة واحدة تعود إليهم.
وأمّا أنّ هذه أعمال تخالف الشرافة الإنسانية ، أو تصير سببا لسوء الذكر وذمّ العقلاء بعد حين ، وأمثال هذه المعاني ، فهي قضايا تقتضي بها الحياة الاجتماعية المشتركة ، والطبيعة الفرديّة لا تساعد عليه أبدا كما تقدّم ذكره.
والشاهد على ذلك مظالم الطغاة وأولي الطول والقوّة ، وما يقتحمه الجناة وأرباب الفجور ؛ فإنّهم يأتون بكلّ ما يشتهون ، وطبائعهم الفرديّة لا تنهيهم ولا تصدّهم ، وأيّ إنسان عاقل يفدي نفسه لحياة غيره ، أو يكفّ عن مشتهياته ابتغاء
![تفسير البيان [ ج ٦ ] تفسير البيان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3774_tafsir-albayan-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
