ووعد أبيه ؛ أنّه سيبلغ مقام القرب والكمال ؛ ووحي ربّه في قعر الجبّ ، ويعلم أنّه معنيّ به ، فلا يزال يراقب أمره ويحاسب نفسه ، ويشاهد أنّه متقلب في كف التقدير من حال إلى حال ، يليه ربّه في أمره ويوجّهه إلى وجهته ، ولم يزل على ذلك تنمو نامية الحبّ في قلبه ، حتّى حاز مقام الإحسان ، وأوتي الحكم والعلم ، واتّكى على أريكة الإخلاص ، فاختصّ بربّه منصرفا عمّا سواه ، وهذا كلّه ظاهر عمّا مدحه الله ـ سبحانه ـ أو حكى عن مننه عليه وما قاله ممتنّا في آخر قصّته.
ثمّ إنّ الأمر آل إلى أن غالت الملكة غائلة الحبّ ، فصارت لا تملك نفسها دونه ، وخلت به ، ودعته إلى نفسه ، وكانت عندئذ جميع الأسباب تقضي لها على يوسف ، فقد كان يوسف رجلا ، ومن غريزة الرجال الميل إلى النساء ، وكان شابّا رائع الشباب ، وذلك أوان غليان الهوى والشهوة ، وكان ذا جمال يدهش العقول ، والجمال يدعو إلى الهوى والترح ، وكان مستغرقا في التنعّم ، متهنّئا بأهنى العيش ، وذلك من أقوى أسباب الأتراف والتهوّس ، وكانت الملكة شابّة فائقة الجمال ، وكذلك تكون حرم الملوك متزيّنة بما يأخذ بمجامع كلّ قلب ، وكان لها سوابق الحبّ والرأفة والإكرام ليوسف ، وذلك من مصمتات اللسان ، وكانت عاشقة والهة وقد تعرّضت له ، ودعته إلى نفسها والصبر مع التعرّض أصعب منه مع السكوت والإعراض ، وقد أصرّت عليه ، فجذبته إلى نفسها ، وأمسكته حتّى قدّ قميصه ، والصبر معه أصعب وأمرّ ، وهي كانت ربّته خصّه بها الملك ، وكانت ملكة لا يرّد أمرها ، ولا تثنّى رأيها ، وكانا في قصر زاه ، من قصور الملوك ، ذي منظر رائق ، يدعو إلى العيش الهنيء ، وكانا في خلوة ، وقد غلّقت الأبواب وأرخت الستور ، وكان لا يأمن شرّا مع الامتناع ، وكان مأمونا من ظهور الأمر ؛ لأنّها كانت ملكة بيدها كلّ سبب الستر والتعمية ، ولم تكن هذه المخالطة زائلة
![تفسير البيان [ ج ٦ ] تفسير البيان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3774_tafsir-albayan-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
