لمعرّة ، بل مفتاحا لعيش هنيء مستديم ، وكان يمكن ليوسف أن يجعل هذه المسارّة والمخالطة وسيلة إلى نيل كثير من الآمال وأمانيّ الحياة.
فهذه أمور متراكمة لو وجّهت إلى جبل لهدمته ، أو جلمود لأذابته وكان ... (١) بمنزلة المحال ، ولم يكن هناك ممّا يتوهّم مانعا إلّا الخوف من ظهور الأمر ، ومناعة نسب يوسف وقبح الخيانة.
أمّا الخوف من ظهور الأمر فقد مرّ أنّه كان مأمونا منه ، ولو كان بدا شيء لكان في وسعها أن تأوّله تأويلا ، كما فعلت فيما ظهر من أمرها ومراودتها يوسف ، حتّى أرضت نفس الملك إرضاءا.
وأمّا مناعة نسب يوسف فلو كان مانعا لمنع إخوة يوسف عمّا هو أفحش من الزنا وأشدّ جناية وفجاعة ؛ فإنّهم كانوا أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فلم يمنعهم شرافة النسب حتّى أجرموا ما أجرموا في يوسف.
وأمّا قبح الخيانة ، أو حرمة هتك عرض الغير ، فإنّ ذلك وأمثاله قوانين عقلائيّة ، وأصول مدنيّة لا تؤثر أثرا ، ولا تغني شيئا لو لا عصمة الدين.
توضيح ذلك : إنّ أصل التوحيد وملكة الأخلاق الفاضلة والقانون الاجتماعي أمور ثابتة مترتبة متعاقبة كلّ تال منها ، لا يثبت مستقيما إلّا بعد ثبوت متلوّه ، فالقانون لا يقدر على إصلاح الاجتماع وتقويمه ، إلّا بعد اتّصاف المتقنّنين بالقانون ، والتابعين له بالأخلاق الفطرية الفاضلة والملكات الحسنة الجميلة ، والأخلاق لا تثبت ملكة إلّا بعد الإيمان بالله وحده ؛ والالتزام بلوازم التوحيد ، فلو لا التوحيد لم يستقم خلق جميل ، ولو لا الأخلاق لم يستقم قانون
__________________
(١). بياض في النسخة ، والمقصود واضح من خلال السياق ، فتأمل.
![تفسير البيان [ ج ٦ ] تفسير البيان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3774_tafsir-albayan-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
