رجعا إلى حكم يحكم بينهما ، وقاض يقضي لأحدهما على الآخر. كان ما قضى به القاضي رافعا للتزلزل والانثلام الموجود في المحل والمورد وإحكاما للأمر ، فسمّي قضاءه حكما ، وما قضى به أيضا حكما ، ثمّ وسّع فيه فسمّى كلّ ما قرّره ملك أو سيّد مطاع أو كبير من الكبراء حكما لإحكامه الأمر ، واستحكامه في نفسه ، ومن ذلك ما سمّى المنطقيون الجزء الأخير من القضية ، وهو الذي يعطي التصديق حكما ، ومنه الحكمة وهو بناء نوع ، بمعنى القول أو الرأي الحقّ لاستحكامه ، وإبائه عن الشكّ والترديد.
وقد ظهر مما ذكرنا أنّ الحكم والقضاء متقاربان معنى ، وأنّ الفرق بين الحكم والعلم ، أنّ العلم إنّما هو في الإدراك ، وهو إدراك النسبة الثابت حقيقة ، والحكم إنّما هو في الرأي ، وهو إثبات النسبة الثابت بالنفس لا من الخارج ، وإن كان تحقّق الرأي متفرّعا على تحقّق علم قبل تحققّه ، فافهم.
قال تعالى : (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ) (١)
وهو إعطاء حق القضاء للنّبيّ ـ صلىاللهعليهوآلهوسلم ـ فما حكم به هو الثابت حقيقة.
قوله سبحانه : (وَراوَدَتْهُ)
وأنت إذا تدبّرت هذه القصّة ، وأمعنت فيما تستلزمها من أطرافها ، وهي واقعة تمّت وكملت في سنين من الدهر ، من حين دخل يوسف دار الملك ، حتّى خرج من السجن وتمكن من أريكة العزّة ، وجدت القرآن لم يتعرض إلّا بشطر يسير من طرفها وأطرافها وهذا شأن كتاب الله ـ سبحانه ـ ، لا يأخذ من كلّ قصّة إلّا
__________________
(١). المائدة (٥) : ٤٨.
![تفسير البيان [ ج ٦ ] تفسير البيان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3774_tafsir-albayan-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
