اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ) ، (١) وقوله حين ألقى البشير قميص يوسف على وجهه فارتد بصيرا : (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) ، (٢) ففي جميع هذه الأوقات من حين فقد يوسف إلى أن بشّر به كان باتّا قاطعا على بقائه ، وإنّه بلاء ابتلاه الله تعالى به بكيد إخوته ، فكان للواقعة جهتين : جهة ترجع إليه ، وجهة ترجع إلى يوسف عن إخوته ، فقابل الجهة الأولى بقوله : (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)، والجهة الثانية بقوله : (وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ).
واعلم أنّ الإنسان ، وهو موجود حقيقي فعّال بالفكر والإرادة ، إنّما ينمو ويستكمل في انسانيّته بصحة الفكر وقوّة الإرادة ، فالفكر يعيّن له غايات فاضلة ، ويرتّبها إلى أفضل وفاضل ومفضول ، ويشوّقه إلى نيل كلّ ما هو أفضل من غاياته ، وكلّما كانت الغاية راقية في فضلها ، كانت أصعب فعالا وأكثر موانع وآفات ، نادرة الحصول ، عزيزة الوجود ، فاحتاجت إلى قوّة الإرادة وشدّة العزم ، والإرادة من حيث قوّتها وضعفها تلازم قوّة العلم وضعفه.
فربّما أذعن الإنسان بكون أمر ما من الأمور خيرا وسعادة إذعانا مطلقا ، لا تنصرف عنه نفسه فيريده فينحو نحوه ، وكلّما واجهه مانع ، أو صرفه صارف لم يلتفت إليه ، ولم ينصرف عن ما هو نصب عينيه من السعادة ، فهو قوّة الإرادة ، وربّما أذعن إذعانا ضعيفا يمكن أن ينصرف عنه بأيّ مانع يبدو ، أو صارف يظهر عليه ، فلا يثبت على إرادة عند استقبال الموانع ، ويرجع قهقرى وهو ضعف الإرادة.
وعلى هذا فالغايات العالية ، والمقاصد المهمّة في الحياة الإنسانيّة ، وهي
__________________
(١). يوسف (١٢) : ٨٧.
(٢). يوسف (١٢) : ٩٦.
![تفسير البيان [ ج ٦ ] تفسير البيان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3774_tafsir-albayan-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
