واين أية قضية تجريدية ، واية حقيقة كلية في هذا المجال من قوله عزوجل :
(سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ. وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ. لَهُ مُعَقِّباتٌ)
حين يذهب الخيال يتتبع كل هامس وكل هاجر ، وكل مستخف وكل سارب في هذا الكون الهائل. ويتصور علم الله يتعقب كل فرد من بين يديه ومن خلفه ويقيد عليه كل شاردة وواردة اناء الليل واطراف النهار. انها القدرة الالهية الغير محدودة او مقيدة بحدود او قيود.
ان اللمسات الاولى في افاق الكون الهائل ليست بأضخم ولا اعمق من هذه اللمسات الاخيرة في أغوار النفس والغيب ومجاهيل السرائر ، وان هذه لكفء لتلك في مجال التقابل والتناظر. (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ). ولفظة (الْكَبِيرُ) ولفظة (الْمُتَعالِ) كلتاهما تلقى بيانها في الحس. ولكن يصعب تصوير ذلك البيان بألفاظ اخرى. انه ما من خلق حادث الا وفيه نقص : (إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ). فهو يتعقبهم بالحفظة من أمره لمراقبة ما يحدثونه من تغيير بانفسهم وأحوالهم فيرتب عليه الله تصرفه بهم فانه لا يغير نعمة او بؤسى ولا يغير عزا أو ذلة ، ولا يغير أمن أو خوف ، ولا يغير مكانة أو مهانة .. الا أن يغير الناس ، من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم ، فيغير الله ما بهم وفق ما صارت اليه نفوسهم وأعمالهم.
وانها لحقيقة تلقى على البشرية ، وان تنفذ فيهم سنته بناء على تعرضهم لهذه السنة. والنص صريح في هذا لا يحتمل التأويل. وهو يحمل كذلك ـ الى جانب التبعة ـ دليل التكريم لهذا المخلوق الذي اقتضت مشيئة الله ، ان يكون هو بعمله أداة التنفيذ لمشيئة الله تعالى فيه.
![تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي [ ج ٣ ] تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3758_tafsir-albayan-alsafi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
