العالمين كالطبيب فصلاح المرضى فيما يعلمه الطبيب ويدبره لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه الا فسلموا لله امره تكونوا من الفائزين ، فقيل يا بن رسول الله : فلم امره بالقبلة الاولى؟ فقال : لما قال الله عزوجل : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها ـ وهي بيت المقدس ـ الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه الا لنعلم ذلك منه (١) وجودا بعد ان علمناه سيوجد وذلك ان هوى اهل مكة كان في الكعبة فأراد الله ان يبين متبع محمد من مخالفيه باتباع القبلة التي كرهها ومحمد يأمر بها ، ولما كان اهل المدينة في بيت المقدس امرهم بمخالفتها والتوجه الى الكعبة ليبين من يوافق محمدا فيما يكرهه فهو مصدقه وموافقه ، ثم قال : وان كانت لكبيرة الا على الذين هدى الله ، وان كان ما كان التوجه الى بيت المقدس في ذلك الوقت كبيرة الا على من يهدي الله ، فعرف ان الله يتعبد بخلاف ما يريده المرء ليبتلي طاعته في مخالفة هواه ، انتهى.
اقول : فقد ظهر من نص القرآن ان النسخ صحيح وواقع وليس من التغيير في الرأي وحدوث العلم بعد الجهل ، ولا يكون جزافا بل لا بد وان يكون لأجل مصلحة في الجعل الاولى وابرازه بصورة الاستمرار ثم ازالته عن عالم الاثبات.
ومنه قوله تعالى (٢) : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ).
فقد روى محمد بن يعقوب عن محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان واحمد ابن ادريس عن محمد بن عبد الجبار جميعا عن صفوان بن يحيى
__________________
(١) هذا التبعبير دليل على ما نقول من ان العلم الفعلى عبارة عن حضور المعلوم بوجوده الخارجى لدى العالم ، فراجع رسالتنا فى البداء.
(٢) البقرة الاية ١٨٧.
![تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي [ ج ١ ] تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3756_tafsir-albayan-alsafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
