فأخبرونا إذا حدث الطول بزعمكم فأي شيء هو المعنى الذي ذهب بوجود الطول وبما فيه الطول؟ ولا سبيل لهم إلى وجوده ، فصح أن الطّول كان موجودا في كل جزء على انفراده وكذلك العرض والعمق ، ثم لما اجتمعا زاد الطول والعرض والعمق ، وهكذا أبدا وبالله تعالى التوفيق.
وهذا هو الذي تشهد له الحواس والمشاهدة والعقل والحمد لله رب العالمين.
وبرهان آخر : وهو أن الجرم لو كان أحمر فكل جزء من أجزائه أحمر بلا شك ، فإن قالوا ليس أحمر قلنا لهم فلعله أخضر أو أصفر أو غير ذي لون وهذا عين المحال ، لأن الكل قد بينا أنه ليس هو شيئا غير أجزائه ، فلو كان لون أجزائه غير لونه كله لكان لونه غير لونه وهذا محال ، فإذ لا شك فيما ذكرنا فالجزء الذي يدعون أنه لا يتجزأ هو ذو لون بلا شك ، وإذ هو ذو لون فهو جسم لا يعقل غير ذلك فهو يتجزأ.
قال أبو محمد : وقالت الأشعرية هاهنا كلاما طريفا وهو أنهم قالوا : هو ذو لون واحد.
قال أبو محمد : كل ملون فهو ذو لون واحد لا ذو ألوان كثيرة ، إلا أن يكون أبلق أو موشّى.
وبرهان آخر : أن وجود شيء في العالم قائم بنفسه ليس جسما ولا عرضا ولا قابلا للتجزؤ ولا طول له ولا عرض ولا عمق فهو محال ممتنع إذ هو المذكور ليس هو شيئا غير الباري تعالى ، وجلّ تعالى عن أن يكون له في العالم شبيه ، وبهذا بان عزوجل عن مخلوقاته ، ولم يكن له كفوا أحد ، وليس كمثله شيء.
وبرهان آخر :
قال أبو محمد : كل شيء يحتمل أن يكون له أجزاء كثيرة فبالضرورة ندري أنه يحتمل أن يجزأ إلى أقل منها ، هذا ما لا تختلف العقول والإحساس فيه ، كشيء احتمل أن يقسم على أربعة أقسام فلا شك أنه يحتمل أن ينقسم على ثلاثة وعلى اثنتين ، وهكذا في كل عدد ، ومن دافع هذا فإنما يدافع الضرورة ويكابر العقل ، فلو أقمت خطّا من ثلاثة أجزاء كل جزء منها لا يتجزأ على قولهم ، أو يعمل ذلك الخط من عشرة أجزاء كذلك ومن ألف جزء كذلك أو مما زاد ، فإنه لا يختلف أحد في أن الخط الذي هو في ثلاثة أجزاء فإنه ينقسم أثلاثا في موضعين ، وأن الذي هو من أربعة أجزاء فإنه ينقسم أعشارا أو بنصفين ، فإذ لا شك في هذا فبيقين لا محيد عنه يدري كلّ ذي حس سليم ولو أنه عالم أو جاهل أن ما انقسم أثلاثا فإنه ينقسم بنصفين مستويين ، وما انقسم أرباعا فإنه ينقسم أثلاثا مستوية ، وأما ما كان من الخطوط له
![الفصل في الملل والأهواء والنّحل [ ج ٣ ] الفصل في الملل والأهواء والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3703_alfasl-fi-almilal-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
