قولنا الذي هو الحق وما عداه ضلال وباطل والحمد لله رب العالمين.
والاعتراض الخامس : هو أن قالوا هل لأجزاء الخردلة كلّ أم ليس لها كل؟ وهل يعلم الله تعالى عدد أجزائها أم لا يعلمه؟ فإن قلتم : لا كلّ لها ، نفيتم النهاية عن المخلوقات الموجودات وهذا كفر.
وإن قلتم : إن الله تعالى لا يعلم عدد أجزائها كفرتم. وإن قلتم إن لها كلّا الله تعالى يعلم عدد أجزائها أقررتم بالجزء الذي لا يتجزأ.
قال أبو محمد : وهذا تمويه لائح ينبغي التنبيه عليه لئلا يجوز على الغفلة ، وهو أنهم أقحموا لفظة «كلّ» حيث لا يوجد «كلّ» وسألوا هل يعلم الله عدد ما لا عدد له ...؟ وهم في ذلك كمن سأل هل يعلم الله تعالى عدد شعر لحية الأطلس (١) أم لا؟ وهل يعلم جميع أولاد العقيم أم لا؟ وهل لحركات أهل الجنة والنار كلّ أم لا؟ فهذه السؤالات كسؤالهم ولا فرق. وجوابنا في ذلك كلّه أنّ الله عزوجل إنما يعلم الأشياء على ما هي عليه لا على خلاف ما هي عليه ، لأن من علم الشيء على ما هو عليه فقد علمه حقا. وأمّا من علم الشيء على خلاف ما هو عليه فلم يعلمه بل جهله وحاشى لله من هذه الصفة ، فما لا كلّ له ، ولا عدد له ، فإنما يعلمه الله عزوجل لا عدد له ولا كلّ. وما علم الله عزوجل قط عددا ولا كلّا إلا لما له عدد وكل ، لا لما لا عدد له ولا كل ، وكذلك لم يعلم الله عزوجل قط عدد شعر لحية الأطلس ، ولا علم قط ولد العقيم ، فكيف أن يعرف لهم كلّا؟ وكذلك لم يعلم الله عزوجل قط عدد أجزاء الجبل ولا الخردلة قبل أن تجزأ لأنهما لا جزء لهما قبل التجزئة ، وإنما علمهما غير متجزءين ، وعلمهما محتملين للتجزؤ فإذا جزءا علمهما حينئذ متجزءين ، وعلم حينئذ عدد أجزائهما ، ولم يزل تعالى يعلم أنه سيجزئ كلّ ما لا يتجزأ ولم يزل يعلم عدد الأجزاء التي تخرج في المستأنف إلى حد الفعل ، ولم يزل يعلم عدد ما يخرج من الأشخاص بخلقه في الأبد إلى حدّ الفعل ، ولم يزل يعلم أنه لا أشخاص زائدة على ذلك ، ولا أجزاء لما لم ينقسم بعد ، وكذلك ليس للخردلة ولا للجبل قبل التجزؤ أجزاء أصلا. وإذ ذلك كذلك فلا كلّ هاهنا ولا بعض ، فهذا بطلان سؤالهم والحمد لله رب العالمين.
ثم نعكس عليهم هذا السؤال فنقول لهم وبالله تعالى التوفيق : أخبرونا عن
__________________
(١) الأطلس : ما في لونه طلسة ، أي غبرة إلى السواد. ويقال للذئب الأمعط في لونه طلسة : أطلس (المعجم الوسيط : ص ٥٦١).
![الفصل في الملل والأهواء والنّحل [ ج ٣ ] الفصل في الملل والأهواء والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3703_alfasl-fi-almilal-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
