النّهوض إلى الطاعة والإقلاع عن المعاصي بعد التمييز السليم واعتناق العقيدة السماوية الصحيحة. والحاصل أنه سبحانه لو شاء لرفع الخلاف ممّا بينهم ، وهم (لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ) متفرّقين متنازعين بين يهودي ونصراني ومجوسي وغيره.
١١٩ ـ (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ...) أي ما عدا الّذين يلطف بهم الله عزوجل من المؤمنين الّذين يصدّقون برسله ويؤمنون به ويعملون بأوامره ويجتمعون على الحق الذي نزل من عنده. وقال الزجاج : إلّا من رحم ربّك : استثناء منقطع على معنى : لكن ، وتقديره : لكن من رحم ربّك فإنه غير مختلف. فالمعنى : لا يزالون مختلفين بالباطل إلّا الّذين شملتهم رحمة الله تعالى فهم يؤمنون ويثابون وينجون من الاختلاف بالباطل (وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) أي وللرحمة خلقهم ، ليغدقها عليهم بلطفه بهم. فإنه قد خلق الناس جميعا ليكونوا سامعين مطيعين ... مرحومين مثابين ، إلّا من رغب منهم عن ذلك بسوء اختياره ، فهو لم يخلقهم للعذاب ولا حتم عليهم الكفر المؤدّي إلى سخطه وعذابه. وقيل : خلقهم وعلم أن عاقبتهم تؤول إلى الاختلاف بدليل قوله : (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ ...) وهذا باطل إذ لا يجوز أن يكون غرضه اختلافهم ، بل خلقهم ليكونوا مطيعين فكان منهم عاصين بسوء تصرّفهم ، وقال تعالى : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، فلم يسمع ذلك كثير من الإنس وكثير من الجن الذين خلقهم للرّحمة فاختاروا النقمة. فإنه خلق الناس لمصير حسن اختاره لهم : هو الجنّة ، فكفر كثيرون منهم به وبرسله وبقوله وكان مصيرهم سيّئا : هو النار (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) أي كمل وحيه ووعده ووعيده لعباده ، وقضي في الأمر ، و (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) لأركسنّهم فيها لكفرهم وعدم تصديقهم بوحدانيتي وللتقاعس عن إطاعة رسلي والقيام بعبادتي.
١٢٠ ـ (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ...) أي وكل هذه القصص نرويها لك من أخبار الأنبياء الّذين أرسلناهم إلى الأمم عبر التاريخ ، نقصّ عليك منها (ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) ما نقوّي قلبك به ونثبّته
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٣ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3701_aljadeed-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
