الجليلة من الله بعيسى حين قال له ربّه : (لا تخف يا عيسى من مناوأة الكفّار) ولا من كيدهم : و (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَ). وجملة الكلام في المقام أن بني إسرائيل من بعد موسى قد خرج أكثرهم من الدين وطال عليهم أمد الفترة ، فمنّ الله عليهم إذ بعث منهم نبيا هو عيسى عليهالسلام. فجاء إلى بيت المقدس يدعوهم إلى كتابه ـ الإنجيل ـ ويحمل مواريث النبوّة ويؤيّده الله بالمعاجز العجيبة فأبى جلّهم إلّا الكفر والطغيان ، فثابر على دعوتهم إلى الحق ، وما فتئ يبشّر وينذر ، ويعد ويخوّف مدة ثلاث وثلاثين سنة على ما في الإكمال ، ولكنهم أبوا وخاصموه وحادّوه وطلبوه أخيرا ليقتلوه ، فرفعه الله إليه كما نصّ ، وقال : إني متوفيك ورافعك إليّ : أي أني متوفّيك عند أجلك المسمّى ، فلا تخف من توعدّهم بالقتل. ثم لم يقتصر سبحانه على قوله : إني متوفيك ، لأن التوفّي تكون له أسباب كثيرة كالقتل الذي يصح أن يقال فيه : إن الله أمات المقتول وقبض روحه وتوفّاه إليه ، فإنه تعالى يتوفّى الأنفس حين موتها وخروج الأرواح ولو كان ذلك بواسطة عزرائيل عليهالسلام الموكّل بذلك. فلرفع شبهة القتل عن عيسى (ع) من أجل توفّيه ، قال سبحانه : ورافعك إلى محل كرامتي ومقرّ ملائكتي فلا يتمكنّون منك ولا تصل أيديهم إليك ، فاطمأنّ عيسى (ع) وأدرك أن الكفرة لا يستطيعون قتله ، وكان الأمر كما أدرك من قوله ربه.
أمّا قوله سبحانه : إليّ ، وهو لا يحويه مكان ولا يخلو منه مكان ، فهو تكريم لعيسى وتفخيم لغاية رفعه من الأرض التي فيها الكفرة والمنافقون إلى السماء المختصة بالملائكة المسبّحين المقدّسين. أي أني رافعك إلى مكان كرامتي وأمني. وهذا ما كنّى به سبحانه برفعه إليه. والواو ، في : ورافعك ، ليست للترتيب حتى يظن أن الرفع يكون بعد التوفّي ، بل لمطلق الجمع كما تقول : جاءني زيد وبكر ، أي جاءا معا. فلا مورد للسؤال أنه كيف قال : متوفيك ورافعك إليّ والله ورفعه وما توفّاه .. وأمّا وجه تقديم التوفّي فقد كان لجلب الاطمئنان إلى نفس عيسى بأنه لا يقتل
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
