منذ أول مرحلة من مراحل المخاطبة. فإن تقديم ما من شأنه التأخير لا بدّ له من جهة. ومن المعلوم أن الرفع في خصوص المقام لا بدّ أن يكون مقدّما على التوفّي عند الأجل المسمّى حسب ما قد قدّر من رفع عيسى إلى السماء حيّا ، رغما عن الكفرة من اليهود الذين أرادوا قتله ، وإظهارا لخيرية مكر الله عزوجل ، فالرفع مقدّم على التوفّي بحسب الواقع. وأما الإخبار الظاهر فقد اتّبعت فيه طريقة حصول الاطمئنان لنبيّه في أول أزمنة الإمكان كما قدّمنا ، فإن التوفّي بيده تعالى ملازم لعدم قدرتهم على قتله ، والحاصل أن التقديم بشارة لعيسى (ع) وأنه إنما تقبض روحه بالوفاة لا بالقتل. وهذا مما يعدّ من محاسن الكلام وبليغه. فقد أخبره سبحانه بذلك ، وبشرّه ، وقال له : إني فاعل ذلك بك (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) والتطهير هو تجنيب الشيء عن الدنس ، وتطهير الشيء من الشيء إبعاده منه. فقوله تعالى : مطهّرك ، أي مبعدك عنهم ومجنّبك منهم. وهذا من نتيجة رفعه من بين ظهرانيهم إلى السماء. ومن محصّل ذلك ولوازمه ، أني مخلّصك من مكرهم (وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) أي أنه قضى سبحانه أن يكون متّبعوه أعلى من كفرة بني إسرائيل ، يعلونهم بالحجة وبالسيف ، وباستذلالهم وكونهم أدنى منهم في الدنيا ، أما في الآخرة فيمتازون عنهم بالدرجات الرفيعة والنعيم العظيم ، بينما يكون الكفرة في الدرك الأسفل من الجحيم أبد الآبدين. والذين اتّبعوه هم الذين صدّقوه وآمنوا به وعملوا بشريعته ولم ينحرفوا ولا حرّفوا شيئا من قوله. (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) والخطاب لعيسى (ع) ومن تبعه ومن كفر به على التغليب ، فإن الكل يحشرون إليه سبحانه يوم القيامة ، أي للمثول بين يدي قدرته لتجزى كل نفس بما عملت من خير أو من سوء (فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ) وأقضي بالحق يومئذ (فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) من التوحيد والإيمان بي وبرسولي وبشريعة الحق.
٥٦ ـ (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ..) أي بعد تمييزهم من المؤمنين
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
