نبيا .. وكان كلامه إعجازا بهر قومه ، ولذا قبل أكثرهم جميع مقالاته التي كان أو لها اعترافه بأنه عبد لله ، لا أنه هو الله ، لأنه كان عالما بسفاهة قومه وضلالتهم الناشئة عن الجهل ، ولذا نبههم بكونه عبدا من عباد الله ، ومخلوقا من مخلوقاته تعالى ، ومع ذلك رجعوا بعده بمدة عن التوحيد وعادوا الى الشّرك وقالوا بألوهيته. هكذا خلقه الله تعالى يكلّم قومه في المهد لتبرئة أمّه ولإثبات عبوديته ونبوته (وَكَهْلاً) أي حال كونه ابن ثلاثين الى أربعين سنة يكلّمهم بصفة النبوة ، ويبلغهم الرسالة في كل مكان ، ولذا كان عليه أن يتردد بين القرى والمدن للتبليغ وليذكرهم تقلّب أحواله ولينفي الالوهية عن نفسه ، وليثبت لهم أنه من سنخ البشر. وقد أشار الله سبحانه ونبّه الى جهات تكوينه ، وطفولته ، وكهولته ، وجميع تقلبات أحواله دفعا لشبهة تأليهه ، فلا بد أن يتدبر العاقل هذه الأمور ويحصل له اليقين بأن عيسى عليهالسلام بشر من البشر (وَمِنَ الصَّالِحِينَ) وهذه حالة أخرى له تنفي عنه صفة الالوهية ، فهو عبد صالح عدّه الله تعالى في الصالحين.
٤٧ ـ (قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ ..) أي أن مريم تعجبت وسألت ربّها : من أين يكون لي ولد (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) فإن الولد يكون بأسبابه الطبيعية فكيف يكون لي بلا زوج؟ .. (قالَ كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ) فأجيبت بأن الأمر بيده تعالى يخلق بأيّة كيفية يريد ، وسترزقين ولدا كذلك ، أي على الكيفية التي أنت عليها ، وهو سهل عليه يسير ، لأنه (إِذا قَضى أَمْراً) وقدّر وحتمه (فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ : كُنْ ، فَيَكُونُ) ولعل لفظة : كن إرشاد الى إرادته التكوينية كما قلنا سابقا ، فإن ساحته المقدسة منزهة ومستغنية عن قول : كن ونحوها من الأسباب للخلق ، فإذا شاء أن يخلق شيئا بلا سبب يخلقه كذلك ويخلق الساعة لمجرد إرادته سبحانه.
٤٨ ـ (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ..) أي جنس الكتاب المنزل. أما الحكمة فلعل المراد بها الفقه والمعرفة ، وقيل لها معان أخر ذكرناها
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
