الرحم بلا فحل ، ثم خرج بلا كلفة على الله سبحانه. وهذا غير ميسور بحسب العادة البشرية إلّا بإرادة الله ومشيئته جلّ وعلا. فعيسى (ع) منشأ كلمة من عند الله تعالى ، و (اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) وقد جيء بالضمير في : اسمه ، مذكّرا مع أنه كان ينبغي أن يرجع الى الكلمة باعتبار المعنى وأصل المسيح في لغتهم : مسيحا ، ومعناه : المبارك. ولفظة عيسى عطف بيان للمسيح. وأصل عيسى معرّب إيشوع. وقد وصف بابن مريم رداّ على الزاعمين أنه ابن الله. وقد جعله الله (وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) نصبت لفظة : وجيها على الحالية من : كلمة. والوجيه سيد القوم وصاحب الجاه والمنزلة ووجاهته كانت في الدنيا بالنبوة وبكونه من أولي العزم من الرسل وهم على ما هو المشهور خمسة : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد صلوات الله عليهم. وهؤلاء أرفع الرسل مقاما وأعظمهم جاها. ووجه تسميتهم بأولي العزم ـ على ما روي ـ أنهم بعثوا الى مشارق الأرض ومغاربها وإنسها وجنها. ونلفت النظر بهذه المناسبة الى أن المعمورة لم تكن في أزمنة الرسل الماضين على ما كانت عليه من السعة في السّكنى والعمران في أيام سيدنا ونبينا محمد (ص) مما جعل أعباءه أكثر وأصعب ، وأذاه أشد من سلفه .. وقيل أيضا في وجه التسمية بأولي العزم بأمور كثيرة سنعرض لها في مقام آخر يجيء في محلّه إن شاء الله تعالى .. وأمّا وجاهة المسيح في الآخرة فتكون بالشفاعة في الأمة ، والشفاعة في ذلك اليوم العظيم من أعظم الدرجات وأجلّ الكرامات ، حيث يكون كل الناس مشغولين بأنفسهم إلّا الشفعاء فيكونون مأمونين من ناحية أنفسهم ومهتمين بنجاة أممهم. فالمسيح عليهالسلام يكون يومئذ وجيها (وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) الى ثواب الله وكرامته في الدنيا برفعه الى السماء ومصاحبته الملائكة ، وفي الآخرة بكونه في أعلى درجات الجنة مع الأبرار والصالحين.
٤٦ ـ (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ ..) أي أنه حال كونه في المهد طفلا رضيعا يكلّمهم بتنزيه أمّه من السفاح وبشهادة نزول الكتاب عليه ، وبكونه
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
