توجّه عيسى (ع) إلى الله ، وكان من شأنه أن يناديه بقوله : اللهم ، ثم استدرك سلام الله عليه أنه يستدرّ عطف الله ورحمته باستنزال مائدة على عباده فقال ثانيا : ربّنا ، لأن الربّ هو المربّي ، وهذا أعمّ من تربية الأبدان أو النفوس : (أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ) حسب طلبهم (تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا) أي نجعل يوم نزولها يوم عيد ، منذ يوم نزولها في عصرنا ولأهل زماننا ، وللّذين يأتون من بعدنا. وقيل إن نزولها كان يوم الأحد من أيام الأسبوع ، ولذا اتّخذه النصارى يوم عيد لهم .. (وَآيَةً مِنْكَ) أي علامة معجزة دالة على قدرتك الكاملة وعلى صدق نبوّتي ورسالتي (وَارْزُقْنا) هذه المائدة (وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) ووجه كونه سبحانه خير الرازقين ، هو أن رزقه سرمد أبديّ لا ينقطع ما زال المرزوق موجودا. وهذا بخلاف الارتزاق من غيره تعالى فإنه لا يكون دائما بدوام المرزوق ، بل
الارتزاق من المخلوق قرين المنّة كما نعلم بالبديهة.
(قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ...) أي أجاب سبحانه بشاهد الحال الذي هو إنزال المائدة ، ثم شرط عليهم بقوله تعالى : (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ) أي : ينكر شيئا يتعلق بربوبيّتي وبرسالة رسولي ، وباستجابة دعائه ، وبآيتي هذه ، فمن يكفر بعدها منكم (فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ) فقد توعّد الكافر بعد ذلك بعذاب شديد يكون أشد من عذاب أي أحد من الناس ، والتصريح منه تعالى ، وما في تصريحه من تخويف يدل على عظيم العذاب.
وقيل إن الملائكة نزلوا بالمائدة وكان عليها سبعة أرغفة ، وسبعة حيتان ـ من كبار السمك ـ فأكلوا منها جميعا وشبعوا ، فرفعت المائدة. وبقي أمر نزولها يجري على هذا المنوال وفي الموعد المقرّر من جانبه تعالى ، مدة طويلة من الزمن. ثم انقطع نزولها حين صار المترفون وأهل الثروة يمنعون الفقراء والمساكين من الحضور والجلوس إلى الخوان للأكل مع الناس. عندها قطع الله سبحانه نزولها عنهم ، ومسخ المكذّبين بها وبرسوله خنازير.
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
