تعالى ، إذا لم يعتن بالدنيا طيلة عمره ولم يضع لبنة على لبنة ، ولم يتّخذ لنفسه ولا لأمّه بيتا مع حاجة الإنسان إلى مسكن لأنه مدنيّ بالطبع. وهو لا أب له ، ولا زوجة ، ولا ولد ، وكان يشبع يوما ويجوع أياما ، وقوته من نبات الأرض وشربه من مياه الغدران تواضعا لله تعالى. ولذا كان محبوبا من الله سبحانه وهو الذي وهبه هذه النّعم المحبّبة إليه ، فأورد ذكره ـ خاصة ـ دون غيره في هذه الآية وما يليها ، ليطلع رسوله الكريم محمدا صلىاللهعليهوآله أنه تعالى هكذا يفعل يوم القيامة ويقول : يا عيسى اذكر للناس نعمي الجزيلة (عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ) التي جبلها على هذه الطبيعة الشريفة من التبتّل والعفة والزهد والعبادة ، وبما وهب لها من نعمة كالمسيح عليهالسلام الذي تكلم في المهد وكان نبيّا يفعل العجائب ويخترق المعجزات. فأثبت بذلك براءة أمه سلام الله عليها وعليه ، وعفتّها وشريف مقامها ، ومنحها سبحانه وولدها فضائل لا تعد ولا تحصى ولذا يذكّر ، تعالى بذلك كله ويقول له : اذكر ـ مع ذلك كله ـ (إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ) يعني جبرائيل عليهالسلام (تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ) أي تحكي وأنت طفل حين ولادتك (وَكَهْلاً) أي وقت أشد البلوغ حيث أبقيتك مؤيّدا دائما (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) الكتاب : أي الكتابة دون أن تتعلّمها من أحد ، والحكمة : أي الكلام المحكم ، وجعلتك عارفا بكتب الله السماوية كالتوراة والإنجيل اللذين تحاجّ بهما اليهود. ولا يخفى أن الكتاب جاء لمعان كثيرة بعضها يناسب المقام دون بعض. ومما يناسب حمله عليه هو صحائف الأعمال التي تعليمها مهم كأهمية تعليمه التوراة والإنجيل. وعن الصادق عليهالسلام : الكتاب الاسم الأكبر الذي يعلم به علم كل شيء ، وهو الذي كان مع الأنبياء. فاذكر يا عيسى هذه النعم (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي ، فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي) أي : حين تصوّر من الطين ـ التراب المجبول بالماء ـ هيئة طير بإجازة مني ، ثم تنفخ في تلك الصورة التي شكّلتها فتصير طيرا ذا روح بأمري وإجازتي وقدرتي ، فاجعلها قادرة على الطيران في جو السماء (وَتُبْرِئُ) تشفي (الْأَكْمَهَ) الأعمى الذي ولد من أمه كذلك ، وتشفي (الْأَبْرَصَ)
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
