في الاستيلاء وإعطاء النّسل ، أي بمعنى أني وامرأتي في مثل هذه الحال ، فمن أين يكون لي غلام لو لا قدرتك وعنايتك ورحمتك الخاصة ، فشكرا لك وحمدا للإجابة بما فيه خرق للعادة. وقد ذكر السيد المرتضى رحمهالله مثل هذا الجواب في حقائق التأويل.
والعاقر من الرجال الذي لا يولد له ، ومن النساء التي لا تلد. وقوله : (قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ) أي الشّيب والهرم ، وقيل إنه كان له تسع وتسعون سنة. بل قال ابن عباس : كان زكريّا يوم بشر بالولد ابن عشرين ومائة سنة. وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة. أما الله تعالى فلا يعجزه شيء ، ولذلك (قالَ كَذلِكَ) أي كما أنتما عليه من الهرم والعقم ، إذ (يَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ) ويرزقكما الولد وذلك عليه هيّن لأنه على كل شيء قدير. فلما اطمأن قلبه بأن قدّر له إعطاء الولد وقضي الأمر :
٤١ ـ (قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ..) أي علامة خارقة للعادة تدلّني على الحمل ووقت وضعه ، لأتلقّاه بالحمد والشكر (قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ) أي قال الله تعالى : العلامة التي تطلبها هي أن لا تقدر على تكليم الناس وإن كان لسانك مطلقا بذكر الله وتمجيده وتحميده (ثَلاثَةَ أَيَّامٍ) تبقاها لا تكلّم أحدا أثناءها (إِلَّا رَمْزاً) بالإشارة بيديك أو بعينيك أو بحاجبيك أو بغيرها كرأسك. وإنما خص بالمنع عن تكليمهم لتنتهي المدة بذكر الله وشكره على نعمه وآلائه ، وبالأخص على هذه النعمة العظمى بالولد الصالح الخارق لطبيعة العادات ، والكاشف عن لطف الله سبحانه وتعالى وإكرامه لزكريّا وزوجه. ولا يخفى أن الأيام كانت مع لياليها ، يدلّنا على ذلك قوله عزوجل في سورة مريم : (ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا) والشائع في العربية دخول الليل والنهار معا في اليوم ، لأن اليوم الكامل أربع وعشرون ساعة ، أي مجموع ليل ونهار .. (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً) وهذا الأمر يرمز إلى مطلب يقوم وراء منعه عن التكلم مع الناس. وذلك أن الإنسان إذا سلبت عنه نعمة البيان ولو من ناحية ما ، فلا بدّ أن تعوّض عليه من ناحية أخرى كالتسبيح والتهليل والتفكّر ونحو ذلك. فما
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
