أختها وهي الكبرى ، ومريم الصغرى ، لم تقم إليها امرأة زكريّا ، فأذن الله ليحيي وهو في بطن أمّه فنخس بيده في بطن أمّه وأزعجها وناداها : يا أمّه ، تدخل إليك سيدة نساء العالمين مشتملة على سيد رجال العالمين فلا تقومين لها؟ .. فانزعجت وقامت إليها ، وسجد يحيى في بطن أمه كرامة لعيسى بن مريم (ع). فذلك كان أول تصديقه له .. وللرواية تتمة وقد أخذنا منها ما نحتاج إليه.
٤٠ ـ (قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ..) قال هذا تعجبا واستبعادا عاديا : كيف أرزق صبيّا (وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ ، وَامْرَأَتِي عاقِرٌ) فأنا كبير طاعن في السنّ وامرأتي كذلك ، فكيف يكون لنا ولد مع هذين الأمرين؟ .. وهذا الكلام لا يجتمع مع طلب الولد ظاهرا وخصوصا من مثل زكريّا ، إلّا أن يقال إن زكريّا قال ذلك استفهاما وطلبا للاطمئنان ، لأن مثل هذه الأمور الخارقة للعادة يشكل قبولها بحسب العادة حتى من جانب الأنبياء قبل أن ينكشف لهم وجه الحكمة ، ولو من باب حمل الإخبار بها على الاختبار وحصول البداء بعد ذلك ما في قضية إبراهيم (ع) والأمر بذبح الولد. فإذا لم يحصل للإنسان الاطمئنان طبعا في بادئ الأمر ، ويتم له سكون القلب ، لا يختلف هذا المقام ومقام النبوّة ، ولا سيّما إذا كان الإخبار بواسطة غير ذاته تعالى. وأقوى دليل على الدعوى وقوع ذلك حتى مع من هو مثل إبراهيم عليهالسلام وهو من أولي العزم من الرّسل. فإذا جعل البداء ذهب الاطمئنان في الابتداء .. هذا مضافا إلى أن يلزم صدور تلك البوادر عنهم بمقتضى الحكمة الإلهية لئلا يقول الناس بإلهيّتهم عليهمالسلام كما قالوا ذلك ببعضهم فعلا.
ويتجلّى وجه الشبه بين قبول هذه البشرى ، وبين قضيّة إبراهيم (ع) أيضا حين قال : ربّ أرني كيف تحيي الموتى ، قال : أو لم تؤمن؟ قال : بلى ، ولكن ليطمئنّ قلبي .. فالبشرى بيحيى كانت على خلاف العادة في التناسل من مثل زكريّا وزوجه الكبيرين. وإمّا أنه قال ذلك شكرا واعترافا بالنعمة وبإجابة دعائه إذ كانت الإجابة على خلاف العادة الجارية
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
