٣٩ ـ (فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ ...) أي ندم على سرقته وظلمه لنفسه ولغيره ، وأصلح ببراءة ذمته وردّ ما سرقه إلى صاحبه ، وبإبعاد نفسه عن تلك التبعات والمهانات والهتك والضرب ونحوها من لوازم السرقة. فمن فعل ذلك وأقلع عن السرقة بإخلاص (فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ) أي يقبل توبته. وكل ذلك قبل إرجاع أمره إلى الحاكم بحسب مذهبنا. أما إذا تاب بعد الرجوع إلى الحاكم وبعد إثبات السرقة ، فلا بد من إجراء الحكم عليه. وإذا كانت التوبة عن ندامة حقيقية فإن العقاب من الله مرتفع تفضلا منه وكرما. أما إذا كانت بباعث الخوف من القطع والمهانة والهتك فلا تفيد مطلقا سواء صدرت قبل وقوعه في يد الحاكم أو بعده ، وهي ـ هكذا ـ لا تسقط الحد ولا العذاب .. أما عند غيرنا فالحد لا يرتفع سواء أتاب قبل رفع أمره إلى الحاكم أمر بعده. نعم ، قليل منهم يوافقنا في الفرق الذي اخترناه في أعلاه .. (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) كثير الغفران والتجاوز عن السيئات ، عظيم الرحمة واللطف ، ستار الذنوب ، والرحمة هي رقة القلب والانعطاف الذي يقتضي الإحسان .. وبمقتضى جرأة السارق ينبغي أن لا يتوب الله سبحانه عليه ، ولكن غفرانه للذنوب ، ورحمته للعباد يمنعان اليأس عن بابه الكريم ، ولا يعيدان التائب خائبا من عفوه جلّ وعلا.
ويمكن أن يقال : إنه يستفاد من الآية أن تلك الرحمة الواسعة والمغفرة الشاملة ، تشملان السّراق التائبين مطلقا سواء رفع أمرهم إلى الحاكم أم لا ، غاية الأمر أن رفع أمر السرقة إلى الإمام يحفظ حقوق الناس وتعاد السرقة من السارق ، وتبقى حقوق الله تعالى التي أمرها بيده يفعل بها ما يشاء إذا ثبتت التوبة بالإقرار الصادق وبالشهادة ونحوهما من القرائن المثبتة لها ، والله هو وحده العالم الحاكم ..
وقبل طيّ هذا الموضوع لا بد من أمور تقتضي البيان كشرط قطع يد السارق الذي لا يكون في أقل من ربع دينار كما قلنا. والدينار مثقال شرعي من الذهب الخالص المسكوك وهو يعادل ثماني عشرة حمّصة من الحمّص
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
