يتوب حقيقة أو يموت أو يخرج من بلاد الإسلام. وهذا القول قال به الصادقان عليهماالسلام ، وقال به من العامة سعيد بن جبير وقتادة والسديّ والربيع ، وقال به ابن عباس أيضا ، وفي التفاسير أقوال لأئمة العامة من شاء فليراجعها في تفاسيرهم (ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا) أي أن ما ذكر من الأعمال الشاقة والشنيعة هو لفضيحتهم وهوانهم في الدنيا (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ) والإبهام في عذابهم يشير إلى شدته وعظمه. وفي هذا دلالة على بطلان قول من ذهب إلى أنّ إقامة الحدود تكفير للمعاصي ، لأنه سبحانه بينّ أن لهم في الآخرة عذابا عظيما مع أنه أقيمت عليهم الحدود. نعم ، قد استثنى سبحانه الذين عناهم بقوله التالي :
٣٤ ـ (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ...) هؤلاء هم الذين يتوبون عن معاصيهم وأفعالهم قبل القبض عليهم وأخذهم واقتداركم عليهم ـ فإن القبض عليهم بمنزلة نزول البلاء عليهم إذ صاروا تحت رحمة الشرع ـ وبعد نزول العذاب والهلاك لا تقبل التوبة ، نعم ، قبله لا بأس بها بالنسبة إلى حق الله سبحانه ، وحق العباد يبقى كأخذ الأولياء للدية ، وكالتعويض عن النهب وغير ذلك.
فالتوبة بعد الأخذ والقبض على الجاني إنما تسقط العذاب دون الحد ، إلّا أن تكون عن الشّرك فالإسلام يجبّ ما قبله. ونحن لا نعلم توبتهم بقولهم تبنا خوفا من القصاص ، بل لا بد أن تثبت التوبة بشهادة عدلين كما في الأمور الأخر. وهذا ممكن بمعاشرتهم وبتسليم سلاحهم وتركه ، وبحسن سلوكهم وعدم ظهورهم في أمكنة التخويف ونحو ذلك من الإمارات .. (فَاعْلَمُوا) أيها الناس (أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يقبل التوبة ، ويعفو عن المذنبين ويرحم عباده .. وهذا يؤيد كون الاستثناء جاء بالنسبة إلى حق الله تعالى فقط ، فيسقط الواجب حداّ ، ويبقى الجائز قودا. وتقييد التوبة بكون حصولها قبل القدرة يفيد أنها بعد القبض على الجاني لا تسقط الحد وإن أسقطت العذاب.
* * *
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
